كلُّ إنسان مهما كانت وظيفته أو عمره أو مستوى تعليمه، معرّض للوقوع في الأخطاء تصديقاً للحديث النبوي الشريف (كلّ ابن آدم خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون)، كما أنّ كلّ إنسان معّرض لأن يطرأ عنده ما يشغله أو ما يضطره لتغيير برامجه أو خططه اليومية أو مواعيده التي ارتبط بها مع الناس. وما دامت الأخطاء التي يقع فيها الإنسان وكذلك التغييرات التي تطرأ على برامجه اليومية تؤثر بشكل أو بآخر على من يتعامل معهم، فيلحقهم أذىً أو ضررٌ أو تأخير أو اضطراب في برامجهم اليومية، فإنّ على من يقع في الخطأ أو تضطره الظروف إلى تغيير التزاماته مع الناس أن يسارع في الاعتذار إليهم، كي يخفف من وقع الضرر عليهم أوّلاً، وكي يوفّر عليهم أوقاتهم التي قد تضيع في الانتظار، وكي يجعلهم يأخدون بعين الاعتبار ما طرأ من تغيير على برامجهم.

إنّ ثقافة الاعتذار علامة فارقة من علامات المجتمعات المتحضرة، كما هي علامة فارقة للأشخاص المهذّبين والنبلاء وأصحاب الذوق الرفيع، وإنّ غياب هذا النوع من الثقافة يؤدي إلى تعكير صفو العلاقات بين الناس وإلحاق الضرر المادي والأذى النفسي أحياناً بالأشخاص المتضرّرين. وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم (وخير الخطّائين التوّابون) إشارةواضحة إلى هذا السلوك الحضاري الذي يقوم على الاعتذار عن الخطأ وإبداء الحرص على عدم تكراره.

إنّ من أشدّ ما يخدش مروءة الإنسان ويكشف عن نبوّ ذوقه أن يضرب موعداً مع أحد الأشخاص، ثم يخلف ذلك الموعد دون أن يبلغ ذلك الشخص مسبقاً بأنه لن يستطيع الالتزام بموعده مع بيان أسباب ذلك.

ومن ذلك أيضاً أن يدعى الشخص إلى مناسبة أو وليمة أو غير ذلك ويوافق على حضورها، ثم يتغيب عنها دون أن يبلغ صاحب الدعوة بتغيبه.

ومن ذلك أيضاً من استحق عليه دينٌ لشخص آخر ولم يقم بسداده في الموعد المحدّد ولم يعتذر له عن التأخير.

ومن صور الخروج على ثقافة الاعتذار أن يتلقى الشخص رسالة أو سؤالاً أو طلباً أو دعوة ولا يردّ عليها سلباً ولا إيجاباً، مع أنّ وسائل الاتصال الحديثة قد أتاحت مجالاً واسعاً للتواصل السريع بين الناس.

ويبقى الاعتذار عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان والاعتراف بتلك الأخطاء وعدم الاستماته في تسويقها والدفاع عنها صورة أساسية من صور ثقافة الاعتذار التي تشيع في المجتمعات المتحضرة.

salahjarrar@ju.edu.jo