أحزن على مهنة لا يرحمها ممتهنوها، وهي التي جعلت لهم مكانة بين الناس، ومكاناً عندما ضاقت على غيرهم الارض بما رحبت.

دخلت الرأي وانا على مقاعد الدراسة الجامعية، فعرفت كيف يصل الزملاء الليل بالنهار، والنهار بالليل، وكيف يكون للحرف وجوده وللقلم مساره.

لقد اخذت مني هذه المؤسسة العظيمة جهد الشباب ووقت الدراسة، لأن فيها من أمسك بإذني، وقال «هذه الصحافة بحر، فإياك ان تقول بإنني وصلت، مهما بلغت من العوم فيه».. واليوم ما أسهل عبارة «انا الصحفي...».

واذا كانت الظروف قد حملتني إلى وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، إضافة لبقائي في صحيفة الوطن الأولى، فقد غزا الشيب الرأس والوجه معاً.

لقد وجدت في «بترا» نبل الزمالة، وهو ما عوضني ساعات الغياب التي تركتها في محبة الاخوات والاخوة في الرأي فكانتا البيت الذي يجمعنا، وإن غبنا، عدنا اليه.

في «بترا» تعلمت الكثير من مهارات وفنون الصحافة، ما لم يُتح لي في الرأي، وظلت المؤسستان الكبيرتان بالنسبة لي «الحبل السري» الذي لم ينقطع، لا في اجازة ولا في سفرة ولا في موقع اخر.

وفي «بترا»، ذات يوم، اختبرني مديرها العام الأسبق الاستاذ رمضان الرواشدة، بإنه تقرر انهاء انتدابي، فقلت له: لن استلم الكتاب، وسأقدّم استقالتي، اجابني » لقد عملنا على تمديد انتدابك » وأثنى على جهدي وانضباطي الوظيفي، ومازحني على مسمع زملاء «طالما قمنا بتجديد انتدابك، فايهما افضل، الرأي أم «بترا»، فقلت له: الرأي، فضحك الحضور، وقال «ابو أوس»، كلنا ابناء الرأي، لا بل عمل –مشكوراً- على نقلي الى الوكالة، لاحقاً..

مناسبة هذا الكلام، اننا نعيش في مخاض اعلامي، نشتم فيه مهنتنا ومؤسساتنا الاعلامية، وهي التي لا ذنب لها، دون أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمّنا لهذه المؤسسات التي احتضنتنا، وهذه المهنة التي فرّطنا في رسالتها وسلطتها، ولم نوّجه اقلامنا الى من يقف وراء هذه الفوضى الخلاقة؟!

واذا كانت هناك حكومات أسهمت في هذا التراجع المهني بسبب تعيينات مهنية وادارية، اشخاصها ليسوا على قدر المسؤولية، سواء في المؤسسات الرسمية، أو الخاصة، فإن هذا لا يعفي تقصيرمن دأبوا على رفع اصواتهم، ذلك ان من بينهم، من هم حمولة زائدة، وكانوا وما يزالون عبئاً على هذه المؤسسات وهذه المهنة.

وأخيراً، لقد علمتنا تجربة العمل الصحفي، ان لا هناك من يحمل عصا سحرية، ومهما كان نفوذه، بقادرعلى النهوض بمؤسساتنا الاعلامية، او انه بادعائه وتنظيره، وعصاه التي «يهشّ» بها على العاملين فيها، يستطيع إيجاد حالة إعلامية وطنية إن لم تكن هناك جهود متضافرة، تعمل بكفاءة ونظافة، وتدعمها ارادة سياسية، تؤمن بحرّية الكلمة وتكشف الحقائق لا التستر عليها.

فهل نرحم مهنتنا، وقد وضعناها على المذبح؟!