عمان - أحمد الطراونة



تستذكر الدورة 34 من مهرجان جرش للثقافة والفنون هذا العام احد أهم رواد النقد السينمائي في الوطن العربي، الناقد والباحث والمؤرخ السينمائي الراحل حسان ابو غنيمة (1949 – 1995)، في سابقة تحسب للمهرجان الذي يركز هذا العام على الشأن الثقافي بكل تنويعاته، حيث تأخذ السينما نصيبها من برنامج يزخر بكل أشكال الثقافة والفنون.

وتحت عنوان مهرجان «السينما للأفلام القصيرة»، وعلى مسرح الصوت والضوء، يحضر الناقد الأردني الراحل حسان ابو غنيمة في دورة أطلق عليها «دورة حسان ابو غنيمة» ليتم من خلالها إعادة الاعتبار للسينما في جرش، من خلال تقديم العديد من الأفلام القصيرة العربية والأردنية، والتي تم انتقاؤها لهذه المناسبة.

فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون 34 التي تحتفي هذا العام بالراحل ابو غنيمة وضمن البرنامج مهرجان السينمائي الذي جرى استحداثه هذه السنة والمخصص لأحدث نتاجات السينما العربية من النوع القصير، والذي سيعرض خلاله العديد من الأفلام منها: «(37.5) من الأردن، دموع الغفران من تونس، دور الشطرنج من مصر، سوريتي من سوريا، PSY من الجزائر، هي أختك من الأردن، La Voix Du Silence من تونس، Human من الجزائر، اليتيم من سوريا، أمتى الزمان من مصر، تدور الأقدار من سوريا، The Orphan Child من سوريا، بني ترانزيت من الأردن، برواز من مصر، أنت فاشل من مصر، ظمأ من الأردن، قرار انتحار من مصر، نزيف داخلي من مصر، دموع الفرح من مصر، اسمي إنسان من مصر، وسط البلد من الأردن، عندما يشاء القدر من مصر، جنون الشهرة من مصر، عنبر 8 تشريح من مصر، Pencil Head من مصر».

يشار إلى أن الباحث والناقد السينمائي الراحل حسان ابو غنيمة شكّل حالة من الحيوية والنشاط والمثابرة في خريطة المشهد الثقافي الأردني إبان حقبة ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت، وهو من بين المثقفين العرب القلائل الذين بشروا بميلاد السينما العربية الجديدة وساروا على دربها تثقيفا وتنشيطا عبر الكتابة في الدوريات أو العمل في نوادي السينما أو كتابة نصوص البرامج التلفزيونية المخصصة للفن السابع.

ويعد أبو غنيمة أحد الأسماء النقدية اللامعة، التي استطاعت بخبرة وحرفية أنْ تقدم لصناع وعشاق السينما وأصحاب المواهب والمهتمين بالثقافة السينمائية، مفاهيم ورؤى جمالية وفكرية نابضة بحب السينما والتأريخ لها في أكثر من مقالة وكتاب، والتي تنهل من مدارس وتيارات ونظريات جماليات السينما العالمية، بعيدا عن تلك النظرة السائدة لوظيفة السينما في المجتمع.

أصدر ابو غنيمة المولود في اربد العام 1949 والذي غيبه الموت العام 1995، ما يزيد عن عشرين كتابا، أثرى فيها المكتبة السينمائية الأردنية والعربية، واستقبلها عشاق السينما بشغف وحفاوة، نجحت في التأسيس لثقافة سينمائية أردنية، أرسى الراحل بجهوده الذاتية دعائم وركائز راسخة، بعد أن عرّف بالعديد من قامات السينما العربية والعالمية، عبر إسهاماته النقدية والمعرفية في تجربة النادي السينمائي الأردني، جال فيها بأرجاء المملكة عارضا لنماذج من إبداعات الفن السابع وكلاسيكياته الشهيرة.

وكان المؤرخ الراحل قد مهّد لمشروعه السينمائي من خلال إشرافه على صفحة متخصصة بالسينما في أكثر من صحيفة يومية، كانت تشتمل على قراءات نقدية رصينة شكلت حينها إطلالة ثاقبة على ابرز مدارس وتيارات السينما العالمية والعربية وتسليط الضوء على نماذج من نتاجاتها القديمة والحديثة.

ركّز أبو غنيمة في منهجيته النقدية حول تعريف المتلقي على أبرز الأفلام السينمائية القادمة من مناطق بعيدة ومجهولة لعشاق السينما بعيدا عن تلك الأفلام الدارجة في الصالات السينمائية، مثلما واصل جهوده في رفد المكتبة الأردنية بلون إبداعي جديد، من خلال إصداراته السينمائية المتتالية، التي بدأها بكتاب (السينما ظواهر ودلالات) الذي كان بمثابة تحول ايجابي في المشهد الثقافي المحلي حيث معالجاته الجمالية والدرامية لوظيفة الفيلم التنويرية، وتكررت إصداراته المتنوعة الرؤى والمضامين وهي تبحث في جماليات الفيلم وعناصر ودوافع رسالته الإنسانية.

اختير ابو غنيمة محكما في العديد من المهرجانات السينمائية، ولم تنحصر جهوده النقدية في حقل الإبداع السينمائي بل تعدته إلى حقول معرفية أخرى من الفنون التشكيلية والمسرحية والموسيقية والدراما التلفزيونية والسرديات الأدبية في فنون الشعر والقصة والرواية والدراسات الاجتماعية، إضافة إلى دعمه المستمر لإبداعات الشباب في محاولاتهم الأولى، وتذوقه المتمكن لنتاجات سائر زملائه المبدعين.

وكان لعلاقات ابو غنيمة الوطيدة مع قامات صناع السينما العربية والعالمية والثقافة عموماَ، أمثال: المصري توفيق صالح والفلسطيني مصطفى ابو علي والفرنسي غي هانيبل وسواهم كثير، اثر بارز في تمكنه من محاكاة قضايا فكرية وجدلية حول طبيعة السينما المراد تحقيقها، مثلما أسعفه اكتمال أدواته الإبداعية إقامته بالخارج حيث استطاع نشر إبداعاته في مجال النقد السينمائي في العديد من الصحف العربية في عمان وبيروت ودمشق والقاهرة والجزائر وفرنسا، وكان بيت الراحل بمثابة ملتقى لكثير من الأدباء والمثقفين والمهتمين بصنوف الإبداع.

لا شك أن مهرجان جرش بإتاحته الفرصة لكثير من زملاء وأصدقاء الراحل أبو غنيمة لاستذكار محطات وجوانب من سيرته الذاتية والإبداعية، يؤكد على دوره التنويري في المجتمع المحلي، مثلما يثري ذائقة المتلقي بأطياف من قامات الثقافة الأردنية الرفيعة.