إربد - أحمد الخطيب



قال د. محمد صالح الشنطي إن الأزمة المعرفية التي بدت واضحة في انهمار المعلومات و تدفقها دون ثقة بمصادرها أو الركون إلى وثوقيتها، الأمر الذي أدى إلى افتقاد البوصلة واستلاب الوعي، كان الدافع الرئيس الذي يقف وراء المحاضرة التي ألقاها، مساء أول من أمس.

وشرع د. الشنطي في مستهل محاضرته «معضلة الاستلاب في الفكر والثقافة والإعلام»، التي أقيمت بتنظيم من ملتقى إربد الثقافي بالتعاون مع ملتقى المرأة، وأدار مفرداتها د. عبد الرحيم مراشدة، في بسط المفاهيم المتصلة بعنوانها، والتوقف عند مفهوم المعضلة والاستلاب والثقافة.

كما وقف عند مفهوم الإدراك الصحيح باستعراض مقولة سقراط (العلم و الفضيلة شيء واحد)، وبيان المغالطة في هذه المقولة، ذلك أن الوعي بالحقيقة لا يتم بالأقيسة المنطقية كما يرى، وإنما يتم بالإضافة إلى ذلك باللمحة الحاذقة العفوية والحدس والبصر الخاطف والبصيرة النافذة بما يلامسها من حالة وجدانية.

واعتبر أن تاريخ البشرية هو تاريخ محاولات الاستلاب ومقاومتها، وأول صورة من صوره إغواء إبليس لآدم وحواء حيث أكلا من الشجرة المحرمة، ثم عرج بعد ذلك على البنية التكوينية للإنسان الذي هو قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح السماء كما أبان عن ذلك محمد قطب، وأن ثمة محاولة من الطين لاستلاب الروح، وكذلك الروح لاستلاب الطين، بينما التوازن بينهما هو المطلوب حقا، الأمر الذي ينتفي معه الاستلاب.

وبيّن د. الشنطي كيف أن الأديان جميعها والسماوية منها على وجه الخصوص هي مقاومة الاستلاب، وكذلك استعرض الحضارات الإنسانية التي انطوت على محاولات مماثلة.

وأوضح أن العولمة بوصفها محاولة لاستلاب الهويات والخصوصيات، بدأت بالاستلاب الاقتصادي من خلال الشركات العابرة للقارات، ثم الاستلاب السياسي، ثم الاستلاب الثقافي، واستلاب الهوية، وتوقف عند الفلسفة النظرية لهذا الاستلاب من خلال كتابي: «نهاية التاريخ» لفوكو ياما، و«صراع الحضارات» لهنتنغتون.

وفي توقفه عند التاريخ العربي المعاصر، تحدث عن الاستلاب العثماني للوطن العربي ومحاولات طمس الهوية العربية، ومقاومة هذا الاستلاب من خلال الحركة القومية منذ مؤتمر باريس عام 1840 حتى سلسلة الثورات والحركات العسكرية، مرورا بالمد القومي والصحوي الإسلاموي الذي انتهى إلى الاستلاب عبر الحركات الإرهابية المتطرفة، والاستلاب الفكري من خلال الرأسمالية والاشتراكية والمذاهب التي رافقتها.

وتحدث عن ألوان الاستلاب الذي تمارسه وسائل الإعلام المعاصرة عبر الفضائيات، ومن خلال نظريات الاتصال التي عدد منها: الاستخدام والإشباع، الاعتماد، الجدولة، البرمجة الذهنية، الاستنبات، مبيّناً كيفية استثمارها للتكنولوجيا الرقمية في برمجة العقل العربي واستلابه.

وخلص د. الشنطي إلى ان نتائج الاستلاب تمثّلت في الفساد الإداري والمالي، وافتقاد الحس التراكمي والعشوائية، وإهدار الإمكانات، وثقافية الأنانية والوصولية، والميكافيلية وفقدان الانتماء، وغياب الوعي التاريخي و تغييبه، والإحباط والتبعية.