أبواب - زياد عساف

«ولا كل من صَفْ الصواني قال انا حلواني»، هكذا قالوا في أمثال زمان، ولعلها الحكمة الشعبية الأكثر تعبيرا عن تلاشي السينما الاستعراضية والتي هي في حقيقة الأمر (حلويات) السينما العربية، جاء ذلك مع غياب الحلواني الأصلي والمتمثل في كل مبدع صاغ هذه الأعمال لحنا ونصا وأداء تعبيريا راقصا.

ورغم اجتهادات كثيرة لصُنَّاع السينما تحت مسمى سينما استعراضية على أمل استعادة هذا الفن، إلا أنها لم تحقق الهدف المرجو، ولعل المردود الإيجابي الوحيد من هذه العروض تجلى باستعادة مشاعر الحنين لروائع السينما الغنائية الخالدة، ومشهد الجماهير المكتظة أمام دور السينما بانتظار الحصول على تذكرة لمشاهدة روائع الفن السابع الخالدة أمثال: أبي فوق الشجرة أو خلي بالك من زوزو أو مولد يا دنيا.

تتفاوت أراء النقاد والباحثين في تحديد مفهوم السينما الاستعراضية، ويعتبرها الأغلبية مجموعة من الأغاني والرقصات يحكمها قالب درامي عفوي وبسيط ضمن قصة ذات طابع رومانسي فكاهي.

الناقد السينمائي سامي السلاموني كان الأكثر دقة في تعريف هذا المفهوم، ورأيه بهذا الصدد أن يكون البناء الدرامي قائما على الاستعراض، وأن لا تتخطى الأغنية أو الرقصة الخط الدرامي للفيلم، كتقديم أغان ورقصات أو مسحة من الكوميديا بدون سبب يخدم الفكرة والهدف الكامن خلف هذه الأعمال ويكون الاعتماد الرئيسي على الرقص الفردي أو الجماعي، والمواءمة بين الغناء والرقص مع الاهتمام بالملابس وثراء الديكورات.

إجازة نصف السنة ..

وبرغم الكم المنجز من الأفلام الغنائية والاستعراضية، يبقى عشاق السينما مدينين بالفضل لفرقة رضا للفنون الشعبية بتقديمها لفيلمين هامين بهذا المجال، وهما: إجازة نصف السنة 1962، وغرام في الكرنك 1967، وكانت البطولة الحقيقية للاستعراض نفسه رغم أهمية دور الفنانة ماجدة، وأداء كل من محمود رضا وفريدة فهمي العنصرين الرئيسيين لفرقة رضا.

يكمن سر نجاح هذين الفيلمين باعتماد البطولة الجماعية بالفيلم والمتمثلة بفرقة استعراضية، وعدم التركيز على البطل الفرد للعمل، وجاء ذلك تجسيدا للرؤية والحلم الذي كانت تنشده ثورة يوليو المصرية عام 1952، وتأتي قصة فيلم: اجازة نصف السنة متسقة مع هذه الرؤية،وتتحدث عن فرقة استعراضية جامعية تذهب برفقة مدربها(حسين) لإقامة البروفات في ارض شقيقته(زينب) الواقعة في واحدة من قرى الأرياف المصرية.

قصة حب

تنشأ قصة حب بين أحد أعضاء الفرقة(احمد) وزينب، يتدخل قريبها(سليمان) لإبطال مشروع هذا الزواج، لتكون من نصيب ابنه عويس(عبد المنعم ابراهيم) طمعا في أرضها المرهونة باسم الأب في الأصل لحين سداد الدين، وعندما تفوز الفرقة الإستعراضية في مسابقات الجامعة، وتحصل على مكافأة مالية، تعود الفرقة للقرية مسرعة لدفع الدين وفك الرهن، وتنتصر المجموعة على (سليمان) الذي يمثل السلطة الخارجية التي تحاول احياء الفردية وإلغاء وتفريق البطولة الجماعية، والتي تسهم في النهاية بإحداث التغيير وتمازج الفعل الإيجابي المؤثر والموحد لكل الطبقات باختلاف مستوياتها الثقافية والاجتماعية.

وهذا ماينطبق أيضا على فيلم: غرام في الكرنك، وتمثلت الخطوة الذكية بإنجاز هذين العملين من خلال اللوحات الاستعراضية والغنائية الراقصة المستمدة من التراث والفلوكلور لجميع المحافظات المصرية، وفي الوقت نفسه توظيف التراث الغنائي لبعض البلاد العربية، ما أهل فرقة رضا ومن خلال هذا التوجه بالوصول للعالمية كممثلة للفن العربي عموما وبشهادة لا يختلف عليها إثنان.

إضراب الشحاتين ..

«إضراب الشحاتين» يعتبر الفيلم الثالث المتوافق برؤيته مع مفهوم السينما الاستعراضية الذي يجسد البطولة الجماعية المتمثلة بمجموعة من الشحاذين من حي السيدة زينب، وفي قالب غنائي استعراضي، قام بدور البطولة لبنى عبد العزيز وكرم مطاوع وثلاثي أضواء المسرح، ووافقت سنة انتاجه عام 1967، ويحسب للمخرج حسن الإمام توظيفه للحوار الغنائي بالفيلم وهو مايعتبر نادر الحدوث في السينما العربية عموما، وتقديم الفقرات الاستعراضية في الفضاء الرحب وخارح حدود المسارح المغلقة .

أضواء المدينة

في الوقت نفسه تم إنتاج مجموعة أفلام إستعراضية بنفس الرؤية ومن خلال فرقة استعراضية أيضا، إلا انها تصب في النهاية لخدمة فرد واحد متمثل في البطل أو البطلة، وهذا ماينطبق على رؤية المخرج فطين عبد الوهاب من خلال فيلمه الاستعراضي (أضواء المدينة) 1972، وجاءت الأغاني وعددها 18 ضمن حوار غنائي في مدة لاتزيد عن دقيقتين أو ثلاث دقائق للأغنية الواحدة .

في هذا العمل يتصاعد الفعل الدرامي لصالح بطلة الفيلم: شادية التي تقوم بدور الفتاة البسيطة الطامحة لأن تكون نجمة استعراضية، وتحظى في النهاية بالزواج من المنتج عادل (احمد مظهر) رغم انها من اسرة فقيرة،ويتكلل هذا الزواج بدعم أعضاء الفرقة الاستعراضية ما يؤكد بطبيعة الحال ذوبان الفوارق الطبقية أمام المجموعة.

صغيرة على الحب

وهذا ما ينطبق على افلام مثل: أبي فوق الشجرة 1969 لعبد الحليم حافظ، صغيرة على الحب 1966 وفتاة الاستعراض 1969 وخلي بالك من زوزو 1972 واميرة حبي انا 1974 لسعاد حسني، وعندما يغني الحب 1973 وعايشين للحب 1974 لهاني شاكر، الف بوسة وبوسة 1977 يسرا وحسين فهمي، اولاد الحلال 1977صفاء ابو السعود وسمير غانم، ومن لبنان: بياع الخواتم لفيروز 1965، ومن سوريا: عقد اللولو 1964 فهد بلان وصباح.

مسك الختام ..

«مولد يا دنيا» كان مسك ختام الأفلام الاستعراضية العربية عموما، وتم عرضه عام 1976 برؤية للمخرج حسين كمال، ولم يأت مايوازيه لغاية الاّن، وأهمية الفكرة التي يتضمنها العمل معاودة التأكيد على فكرة الصراع بين المجموعة والفرد الذي يمثل السلطة، من خلال قصة مجموعة من الشباب والفتيات المهمشين يستغلهم رئيس العصابة ابودومة (توفيق الدقن) ويوظفهم لسرقة الناس في الموالد والحواري، بالصدفة يلتقيهم المدرب الاستعراضي عادل (محمود ياسين)، ويصبح لديه أمل أن يصنع منهم فرقة استعراضية، يتحقق هذا الحلم في النهاية، الا انه يصب في مصلحة نجمة الفرقة زبدة (عفاف راضي)، وتتزوج من عادل، بعد أن تتخطى الفرقة كل المصاعب لدرجة ان يشارك ابودومة رمز الشر في حفل الختام للفرقة بعد ان يعود لضميره، ليؤكد في النهاية انصهار الفرد مع المجموعة الحالمة والساعية لانتصار الجمال على ماهو قبيح.

سينما مستقلة ..

مع نهاية حقبة السبعينيات برزت مجموعة من نجمات الاستعراض امثال صفاء ابو السعود ونيللي وشريهان، ورغم تألقهن بأعمال استعراضية كبرامج الفوازير، ألا أنه لهفة الجمهور لهذا النوع من الأعمال، لم يتم الاستفادة وبالشكل الصحيح من هذه الطاقات على الشاشة الكبيرة كمحاولة لإحياء فن الاستعراض السينمائي، وهذا ما يؤكده الناقد السينمائي ناجح حسن بقوله إن الحنين للاستعراضات الغنائية مازال يرواد عشاق هذا الفن الذي تلاشى منذ زمن، وفي السينما المصرية تحديدا رغم امتلاكها للبنية التحتية وريادتها في هذا المجال، ومهارة صناع السينما بتوظيف المجاميع واستغلال كل نقطة على الشاشة، وتوظيف الملابس والأزياء التي كانت تبهر الجمهور، ورغم توفر هذه الإمكانيات الضخمة إلا أن ما يطلق عليه الاّن (السينما المستقلة) هو أعجز مايكون عن انتاج فيلم يوازي واحداً من تلك الأعمال التي ارتبطت بأسماء لامعة أمثال محمد عبد الوهاب وليلى مراد وفريد الأطرش واسمهان وغيرهم كثيرون، وفي الوقت الذي مازالت السينما العالمية تقدم لنا هذه النوعية من الأفلام التي ينتظرها جمهور المشاهدين في البلاد العربية، امتدادا لسلسة الأعمال الاستعراضية الأجنبية السابقة من نوعية: صوت الموسيقى، قصة الحي الغربي، كل هذا الجاز وحمى ليلة السبت.

سمع هس ..

كثيرة هي المعوقات التي أدت لهذا التراجع، ويعود السبب الرئيسي لذلك برأي مجموعة من النقاد والفنانين لإحجام المنتجين عن صناعة افلام استعراضية باعتبارها خطوة غير محمودة العواقب، وتؤدي للخسارة المادية في أغلب الأحوال، وهذا ما ينطبق على عدم نجاح فيلمي: سمع هس ويامهلبية يا للمخرج شريف عرفة، ما نبه العديد من صناع السينما على التوجه للأفلام المضمونة الربح من نوعية أفلام الأكشن والبلطجة التي اصبحت سمة غالبة فيما ينتج حاليا.

ويرى اّخرون ان ندرة الكفاءات الفنية مسبب رئيسي لانحسار فن الاستعراض، أذ لم يعد هناك مخرجون متميزون بهذا المجال امثال: احمد بدرخان وحلمي رفلة وعباس كامل وحسين فوزي وبركات، بالإضافة لغياب الأصوات الجميلة، وندرة وجود الفنان الشامل، وبشكل أدق غياب الفنانة الشاملة التي تجمع بين الغناء والتمثيل والرقص امثال سعاد حسني ونعيمة عاكف، وتميزت الأخيرة أيضا بكونها لاعبة أكروبات من الدرجة الأولى كونها انطلقت في البدايات من سيرك اولاد عاكف الذين تنتمي اليهم بحكم القرابة.

اقتباس ..

الاقتباس والتقليد لم يكن في يوم من الأيام عاملا لنجاح السينما باختلاف انواعها، وهذه من السلبيات المحسوبة على السينما العربية عموما، ولم يخف على النقاد ومتذوقي الفن السابع ان هناك العديد من الفقرات الاستعراضية مقتبسة من افلام عالمية، في الوقت نفسه أخفقت المؤسسات الفنية العامة والخاصة بإحداث معاهد ومراكز لتدريب أصحاب المواهب على الرقص التعبيري والأداء الغنائي لسد الفراغ الناجم من غياب رواد الفن الإستعراضي.

وتنوه الناقدة والأكاديمية سلوى باكير للعقبات التي تعترض المونتير بالأفلام الاستعراضية، وأهمها عدم تزامن الصوت مع الصورة، وهنا تأتي خبرة المونتير في تخطي مثل هذه الأخطاء والتي برزت في العديد من الأفلام وكان لها المردود السلبي على تواصل المشاهد أثناء العرض.

عودة الإبن الضال..

وتتعدد الأراء والحلول المطروحة لإحياء هذا الفن وما أكثرها، يبقى اعتماد تجارب سينمائية كنماذج تدرس للمعنيين بهذا المجال كأحد هذه الحلول، وهنا لابد من استعادة وتأمل تجربة مخرج الروائع يوسف شاهين خاصة بتجاوزه للإشكاليات والعوائق التي سبق ذكرها، كمشاكل الإنتاج والتسويق لاعتماده على التمويل الأجنبي، وبيع افلامه لمحطات فضائية عالمية، ومع الإتفاق أو الإختلاف حول طبيعة اعماله وتوجهاته، يشهد له حرفيته العالية بتوظيف الغناء الإستعراضي بالعديد من أعماله، وبخبرته في عالم الإخراج وقدرته على توظيف الرقص والغناء، والتركيز على الحوار الغنائي التمثيلي، بأفلام مثل بابا أمين والمهرج الكبير وبياع الخواتم والمصير، ويبقى: عودة الإبن الضال 1976 من أهم أعماله، وكان للاستعراض والغناء الدور الأهم بنجاح هذا الفيلم خاصة أن من كتب الأغاني هو شاعر العامية صلاح جاهين، والذي يلتقي فكريا مع يوسف شاهين بالعديد من المواقف باعتبارهما أبناء مرحلة سياسية واحدة.

مفترق الطرق

وبدا الانسجام بينهما واضحا في هذا العمل، ومن خلاله عبرت ماجدة الرومي بمشهد غنائي استعراضي، وبكلمات صلاح جاهين من اغنية مفترق الطرق وبلسان (نحن) وليس ال (أنا): ايه العمل في الوقت ده ياصديق.. غير اننا عند افتراق الطريق.. نبص قدامنا على شمس احلامنا.. نلقاها بتشق السحاب الغميق».

وهو نفسه صلاح جاهين الذي شدا من كلماته عبد الحليم عام 1963 مقطعاً من أغنية (المسؤولية):

«مافيش انا،في إحنا يا صاحبي

انا وانت، وانت، وهوه وهيَّه

علينا نعمل لاشتراكية

من كلمة حلوة للقمه هنية

وبيت وكسوة وناس عايشين

اّدي القضية».