أبواب:خولة أبو قورة

يلجأ آباء وأمهات إلى العقاب الجسدي للحد من تكرار أبنائهم لارتكاب الأخطاء، وقد سجلت حالات عديدة محليا وعالميا فيها مبالغة بإنزال العقاب الجسدي، وقد تحول بعضها إلى جرائم قتل غالبا ما كانت غير مقصودة ارتكبها الآباء أو الأمهات في حالة غضب شديد، فما الحل للحد من شقاوة الأبناء؟ ما السبل المثلى لتربية الأبناء وتقويم سلوكهم؟.

توضح أستاذه علم النفس التربوي في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتورة منى أبو طه أن عقاب الطفل على سلوك معين قام به أمر مقبول إذا جرى توظيفه في عملية تربيته دون المبالغة في العقاب».

وتبين أن «العقاب هو أحد وسائل التربية وليس أهمها أو كلها، بل ربما يكون أضعفها، فقد قسم علماء التربية الوسائل التربوية حسب أهميتها كالآتي: القـــدوة، الثــواب، والعقــاب».

وتقول :«نجد أن المربين غالبا ما يبدأون بالعقاب، ويبالغون في التركيز عليه مع أنه يأتي آخر الوسائل التربوية؛ ربما لأنه يحقق نتائج سريعة يرغبونها».

وتحذر أبو طه من أن:«طريقة التربية التي تتسم بالسيطرة تؤدي إلى شعور الطفل بالاستسلام والخضوع والتمرد وعدم الشعور بالكفاءة، والاعتماد السلبي على الآخرين» وترى أن: «أساليب التربية الجامدة غير المرنة تشكل عبئا نفسيا على الطفل وتوجهه نحو السلوك السلبي أو العدائي».

ويرى أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي أن «هناك العديد من الآباء يخطئون في تحديد نوعية العقاب وشكله بحيث لا يتناسب مع حجم السلوك الصادر عن الطفل».

ويرى أنه:«يجب أن يكون الجزاء من جنس العمل، وأن لا يتضمن العقاب حرمانا من الحاجات الأساسية كالطعام والشراب، لأن فيه امتهاناً لكرامة وحرية الإنسان وحقوقه الأساسية، لكن يمكن حرمانه من شيء محبب له كمشاهدة الحاسوب أو الألعاب الالكترونية، أو تحديد ساعات استخدامها خاصة إذا تسببت في تدني تحصيله الدراسي».

ويلفت إلى أن» بعض الآباء يبالغون أيضا في التعزيز مما يفسد سلوك الأطفال معظم الأحيان، فقد يحصل أحد الأطفال المدللين على هدية باهظة الثمن لتفوقه في مادة، وهنا الثواب والتعزيز لا يتناسب مع حجم الشيء الذي قام به، لأن تفوقه ونجاحه له وليس للآخرين».

ويقترح التميمي التنويع في أساليب التعزيز «فلا تكون المعززات مادية فقط بل يمكن استخدام الاجتماعية منها كالإطراء والكلام الجميل ولا نركز على التعزيز والمكافأة بقدر تركيزنا على الأداء وتشجيعه، كأن تقول «أفتخر بأدائك، أنا فخور بشخصك، أنت تستطيع الإنجاز، أعلم أن عندك طاقات ومواهب في جوانب معينة» ، مثل هذه الكلمات تحافظ على استمرارية السلوك الإيجابي وتبني شخصية الطفل».

وتبين أبوطه أن «للأسرة وظيفة اجتماعية نفسية مهمة جدا فهي المدرسة الاجتماعية الأولى للطفل، وهي التي تسهم في إشباع رغباته النفسية وبنائه النفسي السليم».

وتقول:«السنوات الأولى في حياة الطفل تشكل كيانه النفسي والتوافق النفسي السليم لديه». وتنبه الآباء إلى أن «الطفل الذي يضربه أبواه بانتظام لا يعتبرهما مصدر حب وحماية وأمن وراحة، على الرغم من أنها العناصر الحيوية لكل طفل».

وتشدد على ان:«الآباء الذين يضربون أبناءهم يسببون لهم المعاناة من بعض الأعراض النفسية المؤدية للمرض النفسي».

العقاب بالضرب

ويبين التميمي الآثار السلبية للعقاب بالضرب بقوله:«لا شك أن العقاب البدني كالضرب من أسوا أساليب التربية، فهو يترك آثارا جسدية يتبعها آثار نفسية وانفعالية تترك له أثر كبير على الصحة النفسية للطفل».

ويلفت إلى أن:«الآثار النفسية المترتبة على الضرب بعيدة المدى لا تقتصر على المرحلة ذاتها، إنما تمتد لمراحل لاحقة تؤثر في نمو الطفل النفسي والاجتماعي والانفعالي في كل مراحل حياته، وبالتالي تكون معيقا له في التكيف مع ذاته وبيئته».

ووفقا للتميمي فإن:«الضرب قد يوقف السلوك ولكنه لا يعالجه»، ويؤكد ان اللجوء إليه وخصوصا المبرح منه» يخلق شخصية سلبية مهزوزة وضعيفة الثقة بنفسها، خجولة منسحبة اجتماعيا، لا تستطيع التعبير عن نفسها».

ويتابع «قد يخلق الضرب شخصية مغايرة لما ذكر سابقا، فتكون عدوانية تخريبية لا تحترم القوانين ناقمة على المجتمع».

وتشير أبو طه إلى أنه:«إذا تعرض الطفل إلى خبرات مؤلمة فان ذلك يؤثر في نظرته المستقبلية وتحمله لمشاكل الحياة وقدرته على حلها، وقد تؤدي هذه الخبرات إلى التأثير السلبي في شخصية الطفل مما يجعله عرضة للإصابة بالأمراض والعقد النفسية المختلفة».

وتوضح أن «هناك عدة دراسات أجريت في الجامعات أثبتت أن الوالدين اللذين يعاقبان الطفل بالضرب يجعلانه أكثر عرضة لممارسة الانحرافات الأخلاقية في كبره، ومنها الاغتصاب والتحرش والسلوكيات المؤدية للأمراض الجنسية وانحرافات أخرى، بالإضافة للعنف الأسري».

وتبين أن:«كل خطوة عقابية جسدية تؤدي إلى زيادة ميل الذكور لممارسة الاغتصاب».

وتقول:«أكدت إحدى الدراسات أن صفع الطفل من الأسباب الرئيسة لمعاناته في كبره من الاضطرابات العقلية والنفسية والجنسية ومشكلات في العلاقات».

وتلفت إلى أن: «الضرب يعطي الأطفال إحساسا أن الكبار من حولهم خطرون عليهم فيبتعدون عنهم،وهذا يسبب فقدان الثقة حيث أن كثرة الاعتداء بضرب الطفل على وجهه يفقده الثقة في الوالدين ويحدث تآكلا في حبه لها».

وبحسب أبو طه فإن «إلغاء العقاب الجسدي أو تخفيفه سيساعد الطفل على تغيير تصرفاته المعادية للمجتمع».

وتشير إلى أنّ «للعقاب مجموعة من القواعد الصحية التي يجب الالتزام بها واتباعها إذا اضطررنا له في أثناء عملية التربية؛ حتى يستفيد الطفل منه ويكون معينا له على التعلم من بعض أخطائه وتعديل سلوكه».

وتقول «يجب أن يعرف الطفل الأشياء التي تستوجب العقاب مسبقا، بمعنى أن تكون هناك قواعد واضحة في البيت أو المدرسة لما هو صحيح وما هو خطأ ويجب ان يتم تحذير الطفل من أن تجاوزه للقواعد المعروفة والمعلنة سوف يعرضه للعقاب».

وتنصح أبو طه الأب في حال الغضب من الأبناء أن يقول في نفسه «من الآن فصاعداً أنا أمنع نفسي من ضرب ابني»، فتحويل الفكرة إلى كلام يساعد في التوقف عن ممارسة العنف الجسدي، وعندما تفقد السيطرة على غضبك أرسل ابنك إلى غرفته، فالابتعاد عن بعضكما سيجعلكما تشعران بالهدوء أكثر، وبالتالي تتمكن من استعادة رشدك».