ملك يوسف التل

ميزة الاستماع إلى الحاج حمدي الطباع في أوقات الأزمات، تتمثل في أن الرجل يمتلك خبرة ورؤية شمولية مع هدوء في الطبع.

حديث أبو حسن في تشخيص الراهن الوطني والقومي يستحق التمعن، فهو يتحدث من موقعه كرئيس لجمعية رجال الأعمال، وكمؤسس شريك لمنظومة رجال الأعمال العرب.

لديه وضوح في البصيرة يجعله يعترف أن تحقيق شعار الاكتفاء الذاتي ليس سهلا، واننا أخطأنا في توسعة رقعة وأعباء أمانة عمان، وفي عدم تقدير أهمية استقرار التشريعات الاستثمارية والاقتصادية، مثلما قصرنا في ضبط مواعيد تنفيذ المشاريع وشراكة القطاعين العام والخاص في شبكة النقل.

لكم حضور في مجلس إدارة صندوق الزكاة وغيره كثير من المؤسسات الخيرية ما يجعلنا نسأل عن تقييمك لما تحقق في موضوع الغارمات الذي يشكل قضية اجتماعية لها تشابكاتها القانونية والإجرائية؟

من المعلوم أن الملك عبد الله الثاني أطلق حملة وطنية لمساعدة الغارمات، وتم تشكيل فريق عمل في صندوق الزكاة لدعمهن تنفيذا للتوجيهات الملكية، وجرى اتخاذ الإجراءات اللازمة لسداد جزء من الديون لعـــدد منهـــنّ وفقـــا لشـــروط محددة، كما وتم التركيز من خلال هذه الحملة على من لا يوجد لديها دخل مالي أو راتب.

هناك عدد كبير من الغارمات المتراكم عليهن مبلغ أقل من الألف دينار وهو ما ركز عليه صندوق الزكاة، فوضع الضوابط الناظمة لتحديد الفئات التي سوف تشملها الحملة بحيث يكون سبب القضايا المالية تلبية احتياجات الأسرة. ولا شك أن أي مبادرة تسهم إيجاباً في قضية الغارمات تعزز من مبدأ التكافل الإجتماعي.

هناك مشروع قانون زكاة جديد معروض على مجلس الوزراء وباعتقادي بعد الموافقة عليه سوف ينعكس ذلك إيجابا على المواطن والخزينة وهذا ركن من أركان الإسلام.

عمان تختنق بالسيارات، كيف تنظر إلى هذه القضية المتفاقمة؟

يواجه قطاع النقل الأردني العديد من التحديات وإن كان أبرزها كثافة إستخدام المركبات الخاصة وما ينتج عنها من ازدياد في الأزمة وارتفاع إستهلاك الطاقة وزيادة التلوث ونسبة الحوادث المرورية، إلا أن عدم تطور شبكة النقل العام وهذا واقع مؤسف جدا جعل من الصعب الاعتماد عليها كبديل عن وسائل النقل الخاصة.

يرافق الاستثمار في قطاع النقل العديد من القيود الأمر الذي يجعل من الصعوبة على القطاع الخاص الاستثمار في هذا القطاع.

على سبيل المثال واجهت شركات التطبيقات الذكية العديد من المعيقات لتتمكن من الدخول إلى السوق الأردني، حيث ما تزال شراكة القطاعين الخاص والعام في قطاع النقل ضعيفة.

إن وجود شركة من القطاع الخاص تقدم خدمات ذات جودة عالية وتنافسية يجب أن يكون حافزا للآخرين لتحسين جودة الخدمات المقدمة في النقل العام، وبالتأكيد فإننا لن نستطيع الحد من كثافة الاستخدام الكبير للسيارات الخاصة إذا لم نحسن جودة ونوعية خدمات النقل العام لتكون بديلاً مناسبا للاعتماد عليه.

والجدير ذكره أن مشروع الباص السريع يسير العمل عليه ببطء شديد منذ أكثر من سبع سنوات والأمانة تعلن عن قرب الانتهاء من البنية التحتية للمشروع، وأخيراً الأمانة أعلنت أن المشروع سيتم في عام 2021.

ما أريد قوله ان مثل هذه المشاريع يجب أن يتم تنفيذها بأسرع وقت وبأفضل التقنيات وبمصداقية حيث إن هذا المشروع بالإمكان الانتهاء منه في 18 شهراً.

لقد تكبد المواطن عناء الازدحام والوقت وأصبحت الشوارع لا تطاق إضافة إلى أن نظام الأبنية لم يأخد كما هو واضح بالحسبان الزيادة السكانية للعاصمة، والشوارع الحالية لا تمتلك القدرة على إستيعاب هذه الزيادة.

كنت آمل أن تبقى أمانة عمان الكبرى أمانة عمان فقط بحيث تلبي احتياجات عمان العاصمة، وذلك لأن أمانة عمان الكبرى تحملت فوق طاقتها نتيجة انضمام بلديات مجاورة على حساب سكان عمان.



استراحة

حزب التحرير

يعود الحاج حمدي بذاكرته إلى العام 1950 والتحاقه بحزب التحرير حتى انفصاله عنه،فيقول: كنت في الـرابعة عشرة من عمري وقد شدني أستاذي تقي الدين النبهاني معلم الثقافة الإسلامية في الكلية العلمية الإسلامية، وهو يحدثنا بمفاهيم جديدة أثارت فضولي وحماسي السياسي خاصة وأنني لدي خلفية سياسية بسبب قربي من والدي.

شعرت بالانجذاب لفكرة التكتل السياسي الذي يدعو لتوحيد المسلمين وإنشاء دولة إسلامية تحت مظلتها، ومعي في هذا الحماس بعض من الأساتذة والطلاب.

أيامها شعرنا بصخب العمل السياسي يؤجج الساحات العامة، وكنت واحدا بين تسعة زملاء نجتمع في الكلية أو في بيت أحد أساتذتنا، مع أستاذنا تقي الدين النبهاني وبعض ممن انضموا للحزب يناقشوننا ويعرفوننا على النظام الاجتماعي في الإسلام والتكافل ودور المرأة المسلمة وغيرها من أمور تتعلق بالدين والحياة والمجتمع.

وكحزبيين من طلبة الكلية العلمية الاسلامية وعددنا ما يقارب الـ 16 طالبا، ولإعجابي بالشيخ النبهاني دعوته لبيتنا لأعرفه على والدي الذي لم يكن مع هذا التوجه.

في الكلية الإسلامية التي كانت وما زالت تُحسب على ريادات المسؤولية الإجتماعية، في الذاكرة أساتذة تتلمذت على أيديهم، جاءوا من كل مكان، وكفاءتهم المهنية تعلو وتسبق انتماءاتهم السياسية. منهم أساتذة متخصصون في مادة الرياضيات والكيمياء والفيزياء من مصر، بينهم كما تسعف الذاكرة أستاذ التربية الرياضية هلال، ويوسف وفخري الدين، وأستاذ أرمني لتعليم اللغة الإنجليزية، وأستاذ اللغة العربية عبد العزيز الخياط.

ويذكر الطباع عددا من أساتذته فيقول:«كما ذكرت تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير ومحمد أبو غربية وعبد الجبار الفقيه ويوسف البرقاوي وأحمد حمدي الطاهر ومحمود بارطو ولطفي ملحس، وأمين موافي، وزهير كحالة والدكتور أحمد العناني «أبو جواد» الذي علمنا الخط، وما زلت أذكر عندما علمنا أن أستاذنا العناني يرقد على سرير الشفاء في مستشفى صهيون في مدينة السلط لإجراء عملية القرحة وأنه يحتاج لوحدات دم قمنا بزيارته للتبرع وقدمنا له هدية نسخة من القرآن الكريم يحتفظ بها لغاية الآن ابنه جواد. أما إدارة الكلية فقد تسلمها في البداية بشير الصباغ.

من الكلية العلمية إلى صيدا

هذا الاقتراب من حزب التحرير استمر معه بعد مغادرة الكلية العلمية الإسلامية إلى صيدا محطته الثانية لمتابعة دراسته، فيقول:

أكملت المترك في صيدا في قسمها الداخلي، ومعي من الأردنيين خليل أبو الراغب، أسعد حمدوخ، سميح العلبي وعبدالله ناهد أمان، على أمل أن هذه المدرسة التي نُصحت بمتابعة دراستي فيها، ستؤهلني لدخول الجامعة الأميركية لمتابعة دراستي الجامعية.

قبل قدومي إلى صيدا وبتشجيع من أحد الحزبيين في عمان نُصحت بمقابلة شخص في لبنان ينتمي لحزب التحرير للانضمام اليهم باعتباري تحريرياً لكي نستمر في التنظيم.

وأذكر أنني الأردني الوحيد الذي انضم للحزب من بين زملائي الأردنيين الذين تعرفت عليهم وقابلتهم في لبنان وانتهت علاقتي بالحزب بعد عام من دخولي مدرسة صيدا.

توسع الرؤية والمعايشة السياسية

في هذه المرحلة، يتابع الحاج حمدي:» تعرفت على جنوب لبنان وكنت لأول مرة أسمع عن الطائفة الشيعية، فكونت صداقات معهم ومع زملاء مسلمين من الطائفة السنية ومع مسيحيين جمعتنا مدرسة داخلية عززت من معرفتنا وتواصلنا بقوة».

ويضيف :«عشت مرحلة غنية من الثقافة والمعرفة ما بين تحريريين وقوميين وبعثيين وشيوعيين وإخوان مسلمين وجميعها أحزاب تدور حول فكرة واحدة تكمن بالدفاع عن الوطن... مرحلة رائعة، تعلمنا منها حرية الرأي والفكر والتعبير والحوار والمشاركة المنطلقة دون قيود».

ويقول:«خرجنا في مظاهرات، وهدفنا جميعا يكون تحرير الوطن، شعرنا أننا قريبون جدا من بعضنا كعائلة من مختلف الجنسيات والأطياف والإنتماءات، نجتمع دون حساسية أو خوف، يجمعنا احترام آراء بعضنا في النقاشات التي تدور بيننا، ولأن مدرستنا مستقلة عن مدرسة البنات، لم يكن مسموحاً لنا الاختلاط معهنّ إلا في قسم المختبرات».

الحزب القومي السوري

ويتابع: «من ضمن نشاطاتنا كطلبة حزبيين ذهبنا إلى صيدا واستمعنا لأفكار وطروحات الحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة في 16 تشرين الثاني عام 1932 وقد اعتمد على السرية بسبب الظروف الصعبة الناجمة عن الانتداب الفرنسي على سوريا، ويقوم على كون «سوريا وطن السوريين، والسوريين أمة واحدة»، والمقصود بسوريا منطقة بلاد الشام والعراق يسعى لتوحيدها عن طريق «النهضة القومية».

ومن أهم مبادئ الحزب: سوريا للسوريين، و أنّ السوريون أمة واحدة. ثم مبدأ أن القضية الفلسطينية قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى.

في المدرسة الأميركية في صيدا مكثت أربع سنوات، من عام 1952إلى 1956، وهي أقدم من الجامعة الأميركية في بيروت، وتسمح بقبول طلابها دون امتحان دخول. درس فيها عدد من رجالات الأردن أذكر منهم سمير الرفاعي والدكتور رفعت المفتي.

في إطار البيئة الاجتماعية الصحية للمدرسة، جاءنا في شهر رمضان ونحن في السكن الداخلي، مدير المدرسة إبراهيم مرقص وهو مسيحي وأخبرنا بأنه سيكون لدى الطلبة الصائمين من المسلمين وجبتان: إفطار، وسحور على مدار الشهر الفضيل وكنت أجهز وجبة السحور للزملاء.

العدوان الثلاثي

يستذكر حمدي الطباع كيف أن العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام 1956، هز الجميع، أردنيين وعربا ومسلمين.

يقول:«حاولنا جاهدين المشاركة في الحرب دفاعا عن مصر، وكنت حينها طالبا في الجامعة الأميركية، وعددنا 150 طالبا أردنيا نعيش في مبنى واحد، فاتفقنا على الذهاب إلى السفارة المصرية في بيروت لتسجيل أسمائنا وتدريبنا للمشاركة، لكنهم شكرونا معتذرين باعتبار أن الوضع صعب جداً.

لم نحبط بما سمعناه، بل ازددنا إصرارا وحماسة، ومجرد خروجنا من السفارة تابعنا مباشرة طريقنا إلى السفارة الأردنية فاستقبلنا مرحبا الملحق العسكري في بيروت محمد المعايطة وأجرى إتصالا مع الحكومة الأردنية التي اعتذرت بسبب أن تعريب قيادة الجيش الأردني ما زال حديثا والإمكانيات قليلة.

ويزيد الطباع: «لم نفقد الأمل، فأجرينا إتصالا مع الحكومة السورية التي رحبت بنا، عددنا قد ازداد إلى 200 طالب، أذكر منهم خليل أبو الراغب، كمال عصفور، خالد المدادحة، وليد ملحس، محمود ملحس، عبد الغني أبو قورة، واتجهنا إلى معسكر خالد بن الوليد في حمص. وأذكر أيضا أن الفصل كان شتاء والطقس كان بارداً وقارصاً جداً. استقبلونا في المعسكر وعاملونا بلطف لمدة ساعتين، وبعدها قالوا لنا ستصبحون جنود طابور».

ويتابع:«استمعنا من المسؤولين في المعسكر إلى التعليمات والإرشادات التي علينا اتباعها والتقيد بها... نصحو صباحا في الخامسة، لنبدأ تدريباتنا العسكرية، وفي الليل تبدأ المناورات».

ويلفت إلى أنه:«بعد أسبوع من التدريب تسلمنا ذخيرة حية وأصبحنا نقوم بمناورات ليلية، وأذكر أنهم في صباح باكر أعطوا كل واحد منا رغيفا من الخبز وقالوا هذا الرغيف لليوم كله».

ويقول :«بقينا في حمص ثلاثة أسابيع، بمعنويات عالية قوية، لنتابع طريقنا من بيروت إلى مصر، لإداء الواجب لكننا تفاجأنا بانتهاء الحرب «العدوان الثلاثي» أو ما سمي حرب السويس كونها حصلت على خلفية قيام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس».

«انتهت الحرب، وعدنا محبطين إلى الجامعة لمتابعة دراستنا، دون أن نواجه أية مشاكل من إدارة الجامعة أو أساتذتها حتى أننا لم نسجل كغائبين».

جبهة العمل الإسلامي

يقول الطباع :«تجربة حزبية أخيرة دخلت بها في نهاية الثمانينات لكنها لم تكتمل، وكانت مع جبهة العمل الإسلامي».

ويوضح أنه: «بعد عودة التعددية السياسية عام 1989والسماح بالانتساب لأحزاب سياسية، قام أحمد الأزايدة «أبو بلال» بالاتصال مع عدد من رجال الأردن المستقلين واجتمع معهم لتأسيس حزب سياسي يكون بمثابة ذراع لجماعة الإخوان المسلمين الدعوية ويتيح العمل السياسي في مجالات أوسع، ولكن بسبب وفاة «أبو بلال» تغير الحال ووجدت ومن معي من المستقلين أننا أقلية فلم نسجل أسماءنا في تأسيس الحزب لكني بقيت على علاقة طيبة مع بعض رموز جماعة الأخوان المسلمين وما زلت».