لم تكن في ذاك المكان ترى احدا كانت مستغرقة بتصفح رواية تقلب صفحاتها وتحتسي قهوتها بهدوء

اعتادت ان تاتي لهذا المكان وهي التي لا تقتنع كثيرا بفكرة الاعتياد على شيء، بشر... أماكن... هوايات...

تستطيع ان توقف شعورها بالاعتياد منذ زمن منذ ان اكتشفت الحياة كما هي دون اقنعة ودون روايات لا تريدها سوى على رفروف المكاتب فقط

لكن هذا المكان يشعرها بالهدوء فكل من يرتاده من الكبار بالعمر وهي تجد الراحة بينهم لانهم لم يعد لديهم الكثير للتدخل بشؤون الاخرين

تعنيهم فقط اللحظات التي يلتقون بها يقضونها منشغليين ببعضهم البعض وهو ما تريده فقط ان تكون بلحظاتها هذه وحيدة من الاخرين

كانت هي المراة الاكثر شبابا التي ترتاد المكان ويبدو ان الاخرين اعتادوا هم ايضا على وجودها بينهم يبتسمون لها في كل مرة ويكتفون بذلك

تعود لتتصفح روايتها التي لا تريد ان تبدا بقراءتها الان لانها لن تتمكن من التوقف عن اي من صفحاتها لحين انهائها

ولكن حتى تقليب صفحاتها يمنحها المتعة المؤجلة لقراءتها والتشوق لها...

ترفع عيونها عن صفحات الرواية فتجد للمرة الاولى من يحدق بها

رجل لا ينتمي لهذا المكان تراه للمرة الاولى...

اربكتها نظراته للحظات وعادت تحاول ان تنشغل بالرواية فقررت ان تبدا بقراءتها كي تتخلص من القلق الذي اوجده هذا الرجل بالمكان

تنهي أول فصولها وتحتسي ما تبقى من القهوة وتخرج وهو لا يزال يتابعها بنظراته....

وتعود مرة اخرى الى المكان..

وما هي لحظات حتى تراه من جديد يجلس ويحتسي قهوته ويحدق بها بين فترة واخرى

أتراه يرى بها امرأة اخرى؟؟؟

شبيهة بحبيبة ينتظرها ولم تأت...؟؟

اترى في ملامحها شيئاً ما يذكره بامراة لا تزال تسكنه وبنظراته هذه يستعيد حبا لها؟؟؟

اكتشفت بلحظة انها تفكر بهذه التساؤلات وهي تنظر اليه وكأنها تنتظر منه اجابات فتتدارك الموقف بسرعة وتعود الى الرواية.

تكرر هذا المشهد مرات ومرات وهي لم تتوقف عن ارتياد المكان ولا تعلم لماذا لم تتوقف... وهي التي لا تحب الاعتياد على شيء وكان لديها سبب للتوقف ولم تفعل..

انهت قراءة روايتها وابتاعت واحدة اخرى واخرى وهي تعود لنفس المكان وهو ايضا يجلس وحيدا كل ما يفعله ان ينظر اليها بين فترة واخرى ويحتسي قهوته وينفث بدخانه وكأنه يريد له ان ينقل لها ما لا يستطيع البوح به...

توقفت هي من ارتياد ذاك المكان بقرار منها لكنها شعرت بشيء ما يؤلمها لقرارها هذا.

وهي التي لطالما عودت ذاتها على عدم الاعتياد على شيء اذن لماذا تشعر بشيء ما باعماقها يدفعها للعودة الى المكان؟؟؟

الم يكن بامكانها استبداله بمكان اخر قد تجد به ايضا شيئاً آخر يريحها؟؟؟

الم يكن بالامكان ان تحتسي قهوتها في اي مكان اخرى برفقة رواياتها فالزمان والمكان يتغيران ونحن من نضفي عليهما جمال ارواحنا؟؟؟

اذن ما الذي تفتقده...؟؟؟

تفتقد هذا الاربكاك من نظرات عابرة....

تفتقد جرأة رجل لا يعنيه ان يقترب ويبادر لكنه يكتفي برؤيتها فقط ولا يمل من ذلك....

تفتقد شيئاً ما انتهى قبل ان يبدا وكأنه لاختلافه يشعرها بالافتقاد له....

في كل مرة كانت ترى هذا المكان تتملكها رغبة بارتياده مرة ثانية...

ولا تفعل....

ربما لخوفها من الاعتياد عليه من جديد

ولربما تفتقد ما كان...

ولربما لا تريد لرواية ما ان تبدا فاكتفت باقتنائها ولم تجرؤ على فتح صفحاتها .... ابدا....