خالد قوقزة

في حاراتنا المنسية لم يكن هناك الا ما ندر عمالة وافدة تتقاضى اجرا عن عملها، فكان الرجال والنساء يتعاونون على كل شيء، فالكل يفزع ويعمل، فعونة الحصيد وعونة اوفزعة الطيانات وغسّالات الصوف، والمشاركة في غداء العرس وطعام المجَبّرين، كانت صفة من صفات اهل الحارات ومن ديدنهم.

قبل ما يفِج الضو..... قام ابو فلاح من إفراشه واخذ على ايده مَيّه وتوضأ وصلى الفجر........ ونادى على ام فلاح وقال لها :- ساوي ابريق شاي وثَقّليه وهاتي صحن زيت وشويّة دُقّة وإشرّاكَة مشان أفُك الريق، وهاتيلي عُلبة التتن الهيشي معاكي وانت جايه هاي هيه تحت الطُرّاحة، بدي ألف أكم سيكارة مشان ما نتعطّل بالحقلة.... وبعد ما جهّزت أُم العيال الفطور والشاي نادى على عياله :- يا فلاح... يا مفلح... يا عوده.... ياعواد.... إصحوا ترى الدنيا صارت الظُهر، بدنا نروح نكمل حصيد الزرعات، واليوم عندنا عُونة..... اعمامكو ونسوانهم واولادهم وجارنا ابو سالم ومَرَته بدهم يعاونونا مشان نكمّل، ونلحق نغَمّر ونُرْجُد القمحات على البيدر،وحضروا المناجل والحواشيش. وانت يابه يا فلاح شد على البهيم وحُطّ عليه الحِلِس والقادِم... وانت يابه يا عوده بتروح على محل الجاج وبتجيب عشر جاجات مشان غدا العُونة بالحَقلَة.... ولا تنسى يا مفلح تجيب معاك الزغار مشان يلقطوا ورانا السَبل اللي بِقَع من الحصادين، وعبي الجُود بالميّة من النبعة.

وصلوا للحقلة قبل طلوع الشمس...... وغزلان الندى جايه من الغرب...... والجو مناسب للحصيدة.

بلّش الشاقوق (اكثر الحصادين خبرة) وشق طريق لبقية الحصادين الذين يرتدون الحورات.. وكل واحد فيهم يترك وراه غمُور وغمُور كل غِمر قَد الكبِش، ولما حِميَت الشمس... وصارت تكوي بجلودهم وتلفح بوجوهم وبدا عليهم الكسل والتعب قام الشاقوق يحدي مشان يرفع من معنوياتهم وكان يقول وهم يردون عليه :-

منجلي يا منجلاه.... راح عالصايغ جلاه

ما جلاه الا بحبه..... يا ليت الحب إفداه

منجلي يا ابو رزه.... ويش جابك بلد غزة

جابني حب البنات.... والعيون الذابلات

والنساء تهاهي وتزغرد وتحيّيهم.. والصبيان يلقطوا السبل المتساقط فرحانين بالحلاوة والراحة اللي راح يبدلوها بالسبلات.

أم فلاح وام سالم قامن بحلي الجاجات ونظفنهن وحضّرن المريس واوقدن النار مشان يطبخن منسف العونة، وقبل العصريات بنِدفة كمّل الحصادين حصيد المارس، والنسوان كمّلِن الطبخ، فصبّن مناسف للزلم وللنسوان واكلوا بعد تعب ولكن بسرور ما بعده سرور... وأبو فلاح ما خلّى كلمة شُكُر الا وقالها للعونة. ووصي اولاده مشان بكرة من فجة الضو يبلشوا بشد الغمُور على القادم ورَجِدْهِن للبيدر ويجهزوه للدراس.

..... يقولون إن الحِمل اذا تفرّق إنشال، وهكذا العونة فقد ساهمت في ان ينهي الحصادين حصيدة الحقل بزمن قياسي. كم نحتاج في هذا الزمن الى مثل هذه العادة الطيبة، فكم واحد من جيل اليوم مرّ من جانب قريبه او جارة دون ان يطرح عليه السلام بل لا يكتفي بذلك لكنه إن شاهده في مأزق يقول:- الله لا يقيمه. ذلك هو الحسد الذي يسود مجتمعنا هذه الايام.

رحم الله الحصادين والحراثين الذين كان للوطن مكان في قلوبهم واحبّوه اكثر من انفسهم.