كتب : حياة القرالة



قلعة الكرك هي إحدى اكبر وأهم قلاع الحملات الصليبية بالأردن وبلاد الشام... تبلغ مساحتها ٢٥ ألف متر مربع وترتفع عن سطح البحر ١٠٠٠٠ متر على يد فولك أمير بيت لحماية الجهة الجنوبية من بلاد الشام وتأمين الطرق بين دمشق ومصر أثناء الحروب الصليبية.

ضرب صلاح الدين الأيوبي على القلعة حصاراً شديداً لفترة من الزمن ثم تمكن من انتزاعها في أعقاب معركة حطين ثم انتقل الحكم لاحقا إلى المماليك ثم إلى العثمانيين.

اكرمتها الجبال وخصصتها برفعة تغدو بمقامها على التلة، وصاحت الخيول العربية تدافع عنها بدافع يدفعها بقوة... مكللة بنساء ماجدات انجبن رجالها.... منقبة أبوابها.. سابلة العينين... وثغرها باسم.. يستقبل الغريب والقريب.. هي في طبعها تشبه الرجل الحُر الذي يتباهي بكرمه... وعند المحن تجده فرصة تتيح لك ان تستخدمه فرصة نجاح مؤكدة...

فخارجها يشبه داخلها كثيرا... فعروقها تنبت فيها البيوت والأبراج... وخارجها أسوار تزيدها جمالاً... تلك العروس التي استمتعت بحليها واجبرت الذين ينظرون إليها بأن ترتفع قاماتهم نحو القمة.... ففي نهارها شمس تصافحها حتى المغيب.. وفي ليلها سماء متوشحة بالنجوم تحتاج منا فقط بأن نلمسها.. وننظر إليها بتعجب ونقول... يا للسرمدة..!!

هيبة الحرية تشرق معها دوما وقد زرعت ذلك في قلوب رجالها الذين لا يخافون الموت... الذين يقدمون أرواحهم زهدا من غير تصفيق.

إكرام الضيف جند حصين مدلل.. يشمل الصغير قبل الكبير. شيء ترعرع في مراحل حياتهم ورائحة البن تغزو كل من داس بيوتهم، واول صوت تسمعه عندما تدوس ديارهم.. ياهلا بالضيف.. مع ابتسامة تشدك بالجلوس في مضاربهم اياماً عديدة دون أن تأخذك العزّة لترحل...

فقد وصفها ابن بطوطة في كتابه (تحفة الانظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار) ١٣٠٣-١٣٧٧م قائلاً: (ثم يرحلون إلى حصن الكرك... وهو أعجب الحصون وأمنعها واشهرها.. ويسمى حصن الكرك - ويسمى بحصن الغراب - والوادي يطيف به من جميع جهاته وله باب واحد قد نحت المدخل اليه في الحجر الصلد... وبهذا الحصن يتحصن الملوك وإليه يلجأون في النوائب وله لجأ الملك الناصر).

من الكتاب التاريخي للرحالة بيركاهارت في وصف الكرك وقلعتها سنة 1812م ..

..المدينة محاطة بسور، سقط بعضه في أماكن متفرقة. يدافع عنها ستة أو سبعة أبراج كبيرة، يكاد البرج الشمالي (الظاهر بيبرس) ان يكون الاكثر مثالية، وله نقش عربي طويل على جداره، لكنه مرتفع جداً بحيث لا يمكن قراءته من الأرض.

على كل جانب من النقش الكتابي هناك نقش تمثال الاسد وهو مشابه لتلك التي شاهدت على جدران حلب ودمشق. كان للمدينة في الأصل مدخلان فقط، أحدهما في الجنوب والآخر في الشمال..

في الطرف الغربي من المدينة تقف القلعة، على حافة الهاوية العميقة فوق وادي كوبيشا.

وهي مبنية على طراز معظم القلاع السورية، مع جدران وسرادقات سميكة، وشقق مقوسة كبيرة، وممرات داكنة مع فتحات ثقوب، وخزائن تحت الأرض. وربما يعود أصلها، مثل معظم هذه القلاع إلى نظام الدفاع الحكيم الذي اعتمده المسلمون ضد الفرنجة أثناء الحروب الصليبية.

في القاعة الكبرى القوطية توجد اللوحات مرسومة في اللوحات الجصية، لكن لحقها الكثير من التشويه لا يمكن التمييز بوضوح. لقد كانت الكرك لبعض الوقت في أيدي الفرنجة، ربما تكون هذه القاعة قد بنيت في ذلك الوقت للكنيسة، لذلك مزينة باللوحات. يوجد ايضاً نقش لشخصية غير معروفة لرجل يحمل سلسلة كبيرة، قرأت الحروف آي ان او اي، مرسومة بأحرف كبيرة. بقية النقوش كانت محطمة. على الجانب نحو المدينة يتم الدفاع عن القلعة من خلال قطع خيط عميق في الصخر. بالقرب منها شاهدت عدة أعمدة من الجرانيت الرمادي والأحمر. على الجانب الجنوبي من القلعة واجهة بالحجر بنفس الطريقة في حلب، الحصن، الزلخات، على الجانب الغربي من القلعة كان هناك سقوط للجدار على الوادي، إلى بعض الصخور العالية، التي تنبثق من الجانب المقابل. لقد تم تشكيل البركة والتي كانت توفر الماء في السابق. في القلعة ايضا بئر عميقة، والعديد من المنازل الخاصة بها آبار أيضاً، ولكن مياهها مالحة؛ البعض الآخر لديه صهاريج، والتي تنقذ سكانها عناء جلب مياههم من وادي أدناه...

اما قصة الهيّة... فقد ذكرها الدكتور يوسف الحباشنة.. قائلاً: (في أواخر العهد التركي بدأ يظهر تراجع وضعف في دور الدولة.. عادة منطقة الكرك منطقة زراعية وفيها جانب صحراوي وكانت القرى الكركية لا تتجاوز الخمس عشرة قرية.. استوطنها المماليك، والظاهر بيبرس، شجرة الدر، والحروب التي كانت بين صلاح الدين والصليبيين..

في عام 1910.. كان النظام السائد هو النظام القبلي وكانت القرى الكركية منقسمة إلى قسمين (الشرقي، الغربي)، ولهم شيخ واحد كان يدعي شيخ المشايخ.

اما زعيم الهيّة فهو الشيخ قدر المجالي، ففي هذه الفترة.. قررت السلطات العثمانية بسبب حاجتها للمقاتلين إحصاء النفوس، والتجنيد الإجباري، وزيادة الضرائب، فبعثت موظفين مع قوة عسكرية هنا الناس لم تتقبل لأنهم غير معتادين على الحياة العسكرية بل معتمدين على الحياة العامة فكانت حجتهم انه اذا ذهب الشباب الى العسكرية من سيحميهم من البدو...

كما أن منطقتهم ليست ثرية فكانوا يعتمدون على الرعي والزراعة... فقصة الضرائب تزيدهم فقرا.

اما سحب الأسلحة منهم وهم معتادون على أن لا يخرجوا الا والبندقية حليف لهم.. زادهم كل ذلك حيطة وحذراً وتخوفاً.

حصلت ثورة في جبل الدروز ضد العثمانيين وقمعت بشدة انتشر التذمر بالمنطقة.. استطاع الشيخ قدر المجالي مع كبار ووجهاء عشيرة المجالي ان يروج لفكرة الثورة على الأتراك فلقيت فكرته قبولا.. فأخذ الزعماء يتحدثون بالموضوع حول الأمر بلقاءات سرية انتهت بقرار الثورة بقيادة قدر المجالي لمهاجمة المدينة لقتل الحامية والعسكر.. وفي هذه الاثناء ظهر زعيم آخر حسين باشا الطراونة وكان من المجندين في هذه الدولة، وكانت تطيعه مجموعة من الصرايرة، الطراونة، الضمور، الصعوب وكان منافساً لقدر المجالي.

اخذ يقاوم فكرة قدر بالثورة فأقنع عدداً من العشائر بأن هذه الفكرة خطيرة جداً وأن الثورة على هذه الدولة لا مبرر لها وأن عقوبتها ستكون كبيرة جداً.

ولكن الشيخ قدر قد ركب جواده وانطلق الى عربان الصرايرة والطراونة بإقناعهم بالثورة وعندما وصل وقد كان بارعا بالخطاب وجرى واستشار الناس بأن تحصل الثورة اليوم قبل غيرها.

فهجم على المدينة احد أخوة حسين الطراونة.. وأخبر اخاه حسين إلى التصرف...

ذهب وقتها حسين إلى المتصرف ليحذرهم ولكنهم لم يصدقوه وعندما اقتنع العسكري طلب من حسين أن يكتب تعهداً سيتحمل مسؤوليته وما أن انتهى الحديث حتى بدأ الرصاص ودخل الثوار.. وقُتل من قُتل، ومُزقت أوراق الدولة، واستطاع عدد من الجنود ان ينجوا... وحصل تدمير كامل وحُرقت المتاجر، وحصلت أخطاء لا أخلاقية في المدينة وحينها وصلت الأخبار إلى الشام وإلى السلطان سامي باشا من دمشق فبعث جيش لاعادة الهدوء والأمن حينها أدرك الناس أن هذه القوة لا حياة لهم فيها فهربوا الناس من نسوة وأطفال عشيرة بني حميدة والمجالي ولجأوا الى الحمرة ودخل الجيش التركي الى المدينة وعاثوا فسادا، وقتلا، وانتقاما، وعقدت المحاكم، وألقى القبض على الشيوخ والزعماء واعدم الباقون في جدار القلعة وقدح بعض الناس من أعلى القلعة.

كرك العزة صامدة لكل جيل.. وترحب بكل سائح... وستظل تحافظ على مجدها وتاريخها عبر حقبة من زمن مفتوح غير مغلق.