عمان - د. أماني الشوبكي

لا جديد في القول إن الانترنت يلعب دوراً كبيرا في تشكيل ثقافة الشباب في الوقت الذي تعجز المؤسسات الرسمية فيه عن لعب هذا الدور الأساسي في تغذية الشباب فكرياً وزرع القيم الصحيحة.

غير أن التخوفات والهواجس تتزايد حيال مدى تأثير التكنولوجيا على ثقافة الشباب وتوجيهها، ربما، إلى غير مراميها والمأمول منها، في ظل غياب الرقابة والضبط والتنظيم لوسائل التكنولوجيا، وعلوّ كعبها مقارنة بأدوار المؤسسات التقليدية (الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد..).

الشاب حازم عطيات يقول إن الفضاء الالكتروني هو مجال كبير ومفتوح ويستطيع أي شخص أن يشارك فيه بغض النظر عن جنسه أو دينه بينما ثقافات مجتمعاتنا تحاول دائماً أن تميز بين الذكور والاناث حتى في ضخ المعلومات.

ويشير إلى أنهم كشباب ينصرفون عن الاشكال التقليدية للمشاركة وتلقي المعلومات ويحاولون الوصول لكل ما يريدون من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والانترنت لانها تعتبر الأسهل والأسرع.

ويرى أن شبكة الانترنت هي شبكة سياسية واقتصادية وعلمية وهي مجتمع مصغر يناقش الأزمات والمشاكل نفسها لكن بدون قيود ومراسم تقليدية.

ويؤكد الطالب الجامعي يزيد سطعان أن جيل الشباب جيل مثقف أكثر من الأجيال السابقة التي لم تعاصر وسائل التواصل والتكنولوجيا لأن هذا الجيل يحصل على ما يريد من معلومات دون ان ينتظر أسرته أو أستاذه أن يوفر له تلك المعلومة.

ويعتقد أن الشباب هم من يحددون طرق الاستفادة من التكنولوجيا ووسائل التواصل؛ فمنهم من يأخذ منها ما هو مفيد وصحيح ويساعدهم في دراستهم وحياتهم ومنهم من يختار الشكل الآخر الذي يعتبرونه هو الأسوأ.

وتشير أروى المجالي إلى أنها في دراستها لتخصص الصيدلة لا تستطيع ان تتخلى عن الانترنت ووسائل التكنولوجيا لانها تحصل على ما تريد بشكل سريع بأي مكان وزمان، إلا أن تلك الوسائل أبعدتهم عن القراءة الفعلية من الكتب.

وتلفت إلى أن الشباب وطلاب الجامعات المستخدمين تلك الوسائل بصورة «جنونية» هم بعيدون كل البعد عن الواقع الذي تعيش به أسرهم ومجتمعهم فهم لا يتقبلون حتى ما توارثناه عن أجدادنا واهالينا ويريدون ان يخرجوا لكل ما هو غير مألوف.

ويلاحظ الأربعيني محمد النسور (رب أسرة) الأهالي، وهو منهم «نعاني مع أولادنا في تعليمهم الكثير من العادات والتقاليد والقيم المجتمعية التي تربينا عليها بسبب رفض ابنائنا لموروثاتنا وعاداتنا على حد تعبيرهم». ويشير إلى أن الشباب يعتبرون الانترنت أهم أداة من أدوات التنشئة الحديثة التي يكتسبون من خلالها مجموعة من القيم الأساسية اللازمة لبناء شخصيتهم وتحديد اتجاهاتهم الحياتية واصبح الشباب ايضاً يتحاورون وينتقدون موروثاتهم على هذه المواقع.

بدورها تؤكد الأستاذة حنين السمهوري (مديرة مدرسة) أن التكنولوجيا شيء مهم لا يمكن الاستغناء عنه، لما لها من دور في تسهيل الحياة اليومية للأفراد، وأنها تختصر الكثير من الوقت والجهد عند إنجاز الأعمال وحتى في عملية البحث والتعليم لا يستطيع الشباب الاستغناء عنها ولا حتى المدرسون وأصحاب الأعمال.

وتشير إلى أن وسائل التكنولوجيا لها جوانبها السيئة والجيدة ويستطيع الشباب تدويرها كما يريدون، لذلك يكمن الخلل في التنشئة وليس في المواقع والأساليب.

من جانبه يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل الغرايبة إن آثار التقنيات الحديثة والمنجزات المتعلقة بالمعرفة لدى الانسان وصلت إلى أعلى مستوياتها وقد طالت قطاع الشباب بصورة اكبر واوسع عن سائر فئات العمر كباراً أو صغاراً.

إذ أن الشباب، برأيه، لديهم الحس الأقوى والشغف الأكبر للاطلاع على كل شيء جديد ومستحدث بطبيعتهم وقد لاقت هذه المنجزات الالكترونية الحديثة تعلقاً من الشباب من مختلف أنحاء العالم ومن ضمنها المجتمع الأردني.

ويلاحظ الغرايبة ان الشباب يعتمدون في الاتصال والتواصل على مواقع التواصل الاجتماعي ويحصلون بسهولة على المعلومات ويعبئون أوقات فراغهم ويكوّنون معارف واصدقاء من مختلف انحاء العالم ومن مختلف المجتمعات.

وفي الجانب الآخر يشير الغرايبة إلى أن الاقبال الشديد على مواقع التواصل الاجتماعي قد اقلع الشباب عن الكثير من العادات والتقاليد الموروثة المتبعة في مجتمعاتهم واسرهم وهذا الاقلاع له جانب ايجابي من خلال محاربة الشعوذات والافكار المختلقة، في الوقت الذي أبعدت الشباب عن عادات حميدة وتقاليد حميمة من شأنها ان تزيد من اللحمة الاجتماعية.

ويؤكد أهمية دور وسائل الاعلام المختلفة في توجيه الشباب في النواحي الايجابية وأن تجنبهم الجوانب السلبية والثقافات السيئة وان ترفدهم بكل ما هو مناسب لعصرهم.

وتشير الاخصائية التربوية الدكتورة زينب العشي الى ان من أهم سيئات وسائل التكنولوجيا الحديثة هو تقليل التواصل الفعلي بين الأفراد حيث حلت مكانه المكالمات عن بعد والرسائل النصية والكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي الذي أدى فعلياً الى تغيير مفهوم الترابط الأسري القائم على المشاهدة والتعاون والمساندة الفعلية.

وتنبه إلى العنف الذي انتشر بين المجتمعات وزيادة نسبة الانتحار بسبب انتشار الالعاب الالكترونية العنيفة الموجهة للكبار والصغار والتي يتأثر بها الصغار والشباب وتؤثر على سلوكهم وتجعلهم مدمنين على استخدام الانترنت واللعب وممارسة السلوكيات الخاطئة.

وتحذر العشي من خطر الاستخدام الخاطئ من قبل الشباب للوسائل الحديثة التي تعمل على تعطيل قدرات العقل لاعتماده على تلقي المعلومة وعدم البحث عنها، الذي سيؤدي إلى شل القدرة على التفكير ويجعل العقل يتكئ على تلك الوسائل.