أفكر في مستقبل ابني دوماً، ياسر أصغر أولادي وهو مثل القمر حين يكتمل في آخر الشهر.. مثل السكر وأحلى، ومثل صوت فيروز حين يأتيك في الصباح، على وقع رشفة قهوة صهباء..

أفكر في مستقبله دوماً.. وماذا سيكون، هل سيصبح ضابطاً يحظى بالقصائد والغزل.. بنظرات البنات، هل سيصبح نائباً في البرلمان مثلاً، ويطلق صيحة مدوية: (اقعدي يا سالي).. أظن في زمنهم سيكون البرلمان، مليئاً بسالي وسوزان.. ونتالي، هل سيكون موظفاً حكومياً.. أعيته القروض؟ وأعياه الأرق.. ويفكر في الهجرة للخليج عل الله يعطيه الرضى والمال.

هل سيكون صحفياً مثلي، ثم يغادر البلد صاخباً ومعارضاً، ومن الغربة.. يبث فيديوهات عنيفة، منتقدة المشهد والحياة والتراب..

لا أعرف.. لكني لدي قناعة تامة، بأني لن أرسله إلى لندن ليتعلم اللغة الإنجليزية، أصلاً ياسر خلق عربياً وسيحيا عربياً.. وأنا يهمني أن يتقن الكركية الفصحى، لأني مؤمن أن أهم شيء في هذا الوطن، هي القلب.. وقلبه سيتسع لكل القطاعات بما فيها البنادق والجدائل.. وأنا لا أريد له أن يرتدي ربطات عنق فاخرة، ويقف خلف (الداتا شو) كي يتحدث عن حجم الأرباح المتوقعة.. لأن ربحنا الوحيد في هذا الوطن هو تراب الكرك، ورائحة جميدها..

أحزن حين أرى كل برامج الدولة، تركز على المشاريع والاستثمار وتفعيل الشباب، وننسى الحب والهوية.. لقد علمت ياسر (الهجيني الكركي)، وعلمته (السامر).. ومن الآن جعلته ينتسب لحزب (القايش) فهو أقدم وأجمل وأكبر حزب في الدولة، علمته تاريخ الكتائب وتاريخ القصائد، وعلمته طريقة ارتداء الشماغ.. وقلت له أن أهلك كانوا يفتحون العقال.. للدلالة على أن بيوتهم مشرعة للضيف والخير والحياة، علمته.. أنواع الخيل.. وكيف نميز الأصيل منها، علمته.. أن النساء وطن.. وأن الأهداب حدود، وأن الجديلة راية وطنية.. علمته درب الجنوب..

شبابنا قبل أن نعلمهم الحرف، وطرق الخبز.. وأساسيات التفوق، يحتاجون منه أن نعلمهم الهوية.. فهي الرصيد الحقيقي للقلب حين تفنى الأرصدة.

Abdelhadi18@yahoo.com