عمان - أحمد الطراونة

تتواصل مساء اليوم فعاليات مهرجان عمون لمسرح الشباب اليوم بمسرحية «جالاتيا» ومسرحية «دارين» فيما تعلن جوائز المهرجان مساء غد الجمعة معلنة ختام فعالياته.

وكانت عرضت على مسرح محمود ابو غريب في المركز الثقافي الملكي مسرحية «حنين» من تأليف الكاتب السعودي عباس الحايك، واخراج الشابة ساجدة العمر.

المسرحية التي تعالج قضية اجتماعية مهمة هي زواج القاصرات في المجتمع العربي، كتب نصها المونودرامي لتكون المرأة هي الحاضر الوحيد في ثناياه، وهي التي تمسك خيوطه وترسل رسائله، خاصة أن هنالك أسباباً كثيرة لهذا الزواج أهمهما الفقر المنتشر في المجتمعات العربية وتكون ضحاياه من الفتيات القاصرات، مما جعل العمل يطلق صرخة عالية في وجوه كل من يحاول تسليع المرأة وهدر حقها في الحياة كما تشاء ووفق القيم الإنسانية العالية.

في عرض «حنين» والذي قدمت فيه الممثلة دانا ابو لبن دور الفتاة القاصر التي تم إجبارها على الزواج وهي في سن (12) عاما، وهو السن الذي لا يصل للعمر القانوني للزواج الذي تسمح به التشريعات؛ حاولت أن تستبطن عوالم شخصية الطفلة التي فقدت ألعابها وصديقاتها وملابسها الطفولية لتنتقل إلى بيت رزين جعل منها زوجة لرجل وقور (80 عاما)، لا يسمح بان يسمع في بيته موسيقى أو أي لون من ألوان الفرح، ليقتل هذا البيت أحلامها.

من هنا تبدأ الكارثة في حياة هذه الطفلة لتدور في حلقة لا نهاية لها حيث يقودنا النص من خلال سلسلة جرمية تقود كل حلقة فيها إلى الحلقة التي تلي، حيث أسس الزواج لندبة في روحها كما تقول، وأجهض كل أحلامها، وان من ساهم في ذلك والدها، وقيم المجتمع، وفي إشارة واضحة من متن النص أن هذه الجريمة التي قد تبدو حلا لمشاكل عائلة فقيرة وإنقاذها من الموت على حساب قيمها قد تقود إلى جرائم أخرى قد ترتكبها الفتاة الضحية مما يطيل عدد حلقات سلسلة الجرم الأول والمتمثل في زواج هذه القاصرة.

ولأن العمل المسرحي يقوم على عناصر عدة يكمل بعضها البعض من اجل إيصال الرسائل الحقيقية للعرض فقد جاء النص والذي يشكل بذرة العمل المسرحي واضحا، إلا أن المخرجة ومن خلال إعدادها له استنسخت الشخصية الثانية والتي جاءت ظلا للشخصية الرئيسية وقدمت الممثلة فرح الناصر دورها بشكل جيد لتشكل مع الشخصية الرئيسية ثنائي مهم في استبطان عوالم شخصية هذه الفتاة وحجم القهر النفسي والجسدي الذي وقع عليها من خلال هذا الزواج الذي دام عشر سنوات لم تشعر فيه أنها زوجة.

يكشف النص عن أهمية الحرية حين تبدأ الفتاة الرقص عند سماع خبر وفاة زوجها، لتعود من هذه اللحظة إلى ألعابها وموسيقاها وغرامها وطفولتها وتتحسّر على حياتها التي قضتها مع هذا العاجز الذي افقدها كل شيء: «سأرقص الليلة لأنها الليلة الأخيرة لي في هذا البيت وسأتحرر منك».

وعلى الصعيد الإخراجي تمكنت المخرجة الشابة ساجدة العمر من اجتراح العديد من الحلول الإخراجية المهمة التي خففت من ثقل النص وخلقت هوامش مهمة لحركة الشخصية الرئيسية وظلها، حيث استطاعت أن تملأ جنبات الخشبة بسينوغرافيا وظفت توظيفا مهما وواعيا في تجسير الفجوة بين النص والمتلقي.

يدخل المتلقي إلى صالة العرض ليجد العرض قد بدأ قبل موعده، وهو الامر الذي تريد المخرجة ايصاله والمتمثل بأن هذا العرض ليس له بداية، حيث نعيشه باستمرار ودون توقف لتختم عملها بنهاية مفتوحة مؤكدة أن هذه القضية لم تغلق بعد.

وقدمت العمر من خلال السينوغرافيا دلالات واضحة ومهمة حيث كانت المرآة في صدر المسرح شاهدة على الذات البشرية وكاشفة لتناقضاتها أمامها هي ذاتها، مقدمة بذلك حلا إخراجيا يسهم في تعميق المونولوج، فيما كانت حمّالات الملابس التي استخدمت بملابسها وعلى بساطتها قد أدت الغرض المطلوب منها حيث أسهمت بقوة في تسهيل الانتقال من شخصية لشخصية.

أسهمت الإضاءة التي كانت تنتقل بسلاسة لتمسك خيوط القصة وتلونها، في كشف عمق الصراع مع الذات ومع الآخر ثم الفرح لحظة التحرر.

لم تكن الاختيارات الموسيقية التي قدمتها العمر اقل أهمية من غيرها من مؤثثات العرض، فقد وظفت الموسيقى توظيفا جميلا.

ندوة تقييمية لمسرحية «حنين»

في الندوة التقييمية التي أقيمت بعد العرض مباشرة في قاعة فخر النسا في المركز الثقافي وأدارها الفنان علي عليان وعقّبت فيها د. عهود الزيود على العرض، وشاركت فيها مخرجة العمل ساجدة العمر؛ قدم عدد من النقاد والمشتغلين بالفعل المسرحي أراء مهمة في المسرح الشبابي وفككوا فيها العرض المسرحي مجمعين على أهمية التجربة رغم حداثتها.

وأشار عليان في بداية التقديم إلى العديد من الملاحظات التي كانت مفاتحـــة للحـديث حول العمل، مؤكدا أن هذا العمل جاء برسائل واضحة ومهمة وان المخرجة قدمت حلولا إخراجية مهمة رغم قصر تجربتها، وسيطرت على خشبة المسرح من حيث حركة الممثل والسنوغرافيا والحوار وغيرها.

د. عهود الزيود أشارت إلى ن العمل تحدث عن أهمية إعادة تحويل النص المونودرامي إلى نص ثنائي يمنح حرية الغوص في نفسيات الشخصية الأصلية التي بدت أكثر فوضى بسبب الفوضى التي تعيشها، ليسلط هذا النص الضوء على اغتيال الطفولة، حيث استخدمت المخرجة جميع جوانب الخشبة.

واجمع الحضور على أهمية أن لا تخضع الأعمال الشبابية في تجاربها الأولى للمعايير الأكاديمية الصارمة حتى لا تغلق الباب أمام التجارب الطموحة والتي يمكن أن تتطور لاحقا.