من كتاب «رحلة فكرية في أعماق النفس البشرية» للكاتب الاردني عبدالله محمد شحادة الصادر في عمان عام 2008.

إنهم يراقبون الآخرين فقط، لا يتكلفون بمراقبة أنفسهم، كل منهم يُراقب ما يفعله الآخر، هذه المراقبة السطحية، هي الاكثر شيوعاً بل إنها مُستشرية بين بني البشر، وقد تبرمجوا عليها، بل واصبحت جزءا من كيانهم!!.

أما الإنسان المتوازن والمتأمل في داخل نفسه، فهو الذي يتعمّق في مراقبة ذاته، حين يتحول من مراقبة الآخرين الى مراقبة نفسه، مشاعره، عواطفه، أفكاره الداخلية.. ولا يُلغي حاضره، يعيش الواقع الذي هو فيه.

ومثال: هل شاهدت نفسك وأنت تقوم بعمل سخيف؟! كلا.. لأنك تُبقي نفسك بعيدا عن المراقبة، وان مراقبتك تنحصر فقط بالآخرين، فأنت لا ترى سخافات نفسك.. تبقى متحفزا مُراقباً للآخرين مثل حكم المباراة الذي يُراقب بدقة متناهية ماذا يدور داخل حلبة المباراة والصفارة في فمك لتطلق عنان الصفير (الحكي) عند اول حركة او بادرة غير طبيعية، نقداً، تجريحاً ليبدأ بعدها (الحشّ).. ومن هنا قيل «عيني على خطأ غيري ولا أرى خطئي».

بالتالي انت تبتعد عن مراقبة نفسك من داخل نفسك.. لذا فلتكن المراقبة عملية داخلية متواصلة.. وستندهش بان نوعية حياتك ستتغير كليا.

مهما كنت تفعل، تمشي، تجلس، تأكل، تصمت، تسترخي... سوف تنشغل بأفكار وعواطف أخرى، تُبعد انتباهك عن المراقبة.. عُد مسرعاً الى برج المراقبة داخل نفسك.

انت تعرف وجهك من خلال المرآة.. اي من الخارج، لأنك لا تُراقب.

أما اذا ابتدأت بالمراقبة سوف تشعر بوجهك من الداخل.. انها تجربة رائعة حاول تجربتها... فتدريجيا ستبدأ اشياء غريبة بالحدوث!! بأن تختفي الافكار والمشاعر والعواطف.

سترى انواراً تشع من جسدك وتصل للآخرين، وسوف تلاحظ مثلا لو كنت تسير وراء شخص وانت تُراقب نفسك بوعي تام، سوف تجد ان هذا الشخص سيستدير وينظر نحوك من دون سبب، لانه سيشعر ان شيئا خفيا قد لامسه.. وقد يقول ماذا حدث لي!!! يمكنك ان تقوم بهذه التجربة.

وكذلك إذا كان هناك شخص نائم بامكانك ان تجلس بجانبه، ثم راقب نفسك تماما، سترى ان هذا الشخص سوف يستيقظ فجأة، يفتح عينيه وينظر مِن حوله وكأن شخصاً لمسه!! فقد وصل اليه اشعاعك! وهو ما يسمى تموجات الطاقة التي وصلته.

هذه الاشعة تبدأ بالانتشار بين الناس والحيوانات والاشجار والصخور.. وفي احد الايام سترى انك لمست الكون بأكمله.

راقب عملية التنفس - الشهيق والزفير - عملية دخول الهواء للصدر.. ثم زفير الهواء, وحاول ان تشعر بالهواء، تحسسه بروحك وهو يتغلغل داخل كيانك.

فالمراقبة من مزايا الروح والوعي وهي ليست عملية عقلية، لأن العقل يختفي أثناء المراقبة.

راقب نفسك وانت تمشي وتأكل وتنام..الخ، فبالمراقبة تبدأ عمليات التحول في كامل كيانك.

عِش كل لحظة وانت تراقب نفسك حتى تصل الى الوعي التام.

انت موجود ويحيط بك العالم الخارجي مثل الدائرة التي لها مركز، فاذا كنت انت الدائرة اذاً لك مركز، هذا المركز هو النواة بداخلك.. اي انك في مكانك وسط المحيط الخارجي (ما تُحاط به) من رغبات، مخاوف، احلام، مئات الاشياء، اي انت الاثنان معاً، المركز والمحيط.

فالوعي والمراقبة ينقلانك من المحيط الى المركز والعكس تماما.. مثل دخول منزلك ثم تخرج مجددا.. فأنت بهذه العملية لا تخلق ثنائية تثبت على مستوى واحد فقط، كمن ينتقل من السوق الى المسجد، ومن الانفتاح الى الانغلاق ويستمر في التنقل، لأن هذين المستويين هما جناحاه، فهما متوازيان باتجاهين معاكسين - يجب ان يكونا على هذا الشكل - ولو كان الجناحان على جانب واحد لما تمكن الطير من التحليق في السماء، يجب ان يكون كل جناح معاكساً للآخر، انهما جناحا طير واحد ويخدمان نفس الطير.. الآن فكّر جيدا خارجك وداخلك هما جناحاك.

أمَّا الشخص الدنيوي المادي فلا يستطيع التأمل او مراقبة ذاته لانه مُنفتح على الخارج فقط!! ولا يمكنه الوصول الى الداخل–داخل نفسه–لانه اختار جناحاً واحداً فقط، فان شعر بالاحباط فهذا شيء متوقع وطبيعي، لانه تطرّف في ماديات الحياة والسعي وراء الكسب المادي فقط وخسر كيانه، بل فقد وعيه مما يدفعه الى الهروب من معركة الحياة.

واذا كنت حقا تريد الضحك، يجب ان تتعلم كيف تبكي، تأكد تماماً اذا لم تعرف كيف تبكي لا يمكن لك ان تضحك، فمن هذه الثنائية يكون الانسان متوازنا.

فالبكاء مثل الضحك يفيد كتنطيق المشاعر، ويقوي جهاز المناعة - ويفيد الحزين ايضا.

يقول هوبرت سبنسر «أكثر الناس ضحكاً أوفرهم صحّة».

كن قوياً امام النقد

ان الناس في معظمهم لا يكترثون لاخبارك او اخباري، انهم منذ ان يصحوا من نومهم في الصباح يفكرون في يومهم ويبقوا كذلك حتى يأووا الى مضاجعهم.. وان وعكة خفيفة تنزل بهم كفيلة ان تُنسيهم عالمهم الخارجي.

حتى لو جَرَحَنا الناس وحتى لو طعنونا يجب ان لا نكترث لذلك!! لاننا في هذا الاكتراث لا نُضايق الا انفسنا.

باستطاعتك ان تتجاهل لوم الناس وحقدهم, ولكن ليس بمقدورك ان ترد عنك ألسنة هؤلاء الناس الموجهة نحوك ظالما وعدوانا، فاذا تأكدت ان عملك على صواب فلا تخف لومة لائم. فالحمقى هم دائما الذين يغضبون لأتفه نقد يوجه اليهم، بخلاف العقلاء الذين يأخذون من النقد ما فيه من الحقيقة ويعملون على تلافيه.

هناك ثلاثة اخطاء يرتكبها معظم الناس يجب تلافيها:

1-اضاعة الوقت دون مبرر.

2-اشغال النفس بتوافه غير مجدية.

3-الجدال مع الناس على غير فائدة تُرتجى، والجدل معركة كلامية.

وخلاصة القول إن النقد المفتري ينطوي على اجراء كاذب، فهذا معناه على الأغلب انك زرعت غيرة وحسدا في نفوس الذين ينتقدونك، وتأكد تماما طالما طُعِنت من الخلف فأعلم أنك في المقدمة.