أبواب - وليد سليمان

الدكتور فيصل غرايبة باحث اجتماعي, وله إسهامات مهنية وفكرية متعددة في المجال الإنساني على المستوى الأردني والعربي منذ أكثر من 50 عاماً.

كتب مؤلفات كثيرة وحاضَرَ عن همومنا المحلية والعربية الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية, ليحلل تلك المشاكل والصعاب, مع طرحه لما يعتقد من حلول ومعالجات.

وحول هموم المجتمع الأردني كان لنا هذا الحوار معه عن بعض الحالات الاجتماعية السلبية غير المألوفة التي برزت تقريباً مع بداية الألفية الثالثة التي نعيش فيها:

كيف تقرأ حالات الجريمة والانتحار محليا وعربيا بغض النظر عن حجمها؟ ما الأسباب؟! وهل من حلول؟!

ليست جميع حالات القتل ولا جميع حالات الانتحار، ترجع إلى ذات الدوافع والأسباب، كما انه ليست الدوافع الآنية الظاهرة هي السبب الحقيقي لحدوث الجريمة المركبة التي تحدث، فيمكن أن تشكل حالة الكبت التي يعاني منها المجرم أحد هذه الدوافع، فهو يكظم غيظه ويواري حنقه لمدة طويلة وتحت ظروف عسيرة أو آلام نفسية، تخرج أو تنبثق كانبثاق الماء المضغوط عندما تتزايد الضغوط، ولم يعد هناك مجال للتحمل أو للصبر، فتدفع صاحبها إلى فعل شيء مضاد، ضد نفسه أو ضد الأقربين، أو ضد الآخرين من غيرهم أو ضد المجتمع ككل.

وهنا سأوضح لك آفاق هذا الضعف ومكوناته على نحو ما من الأشكال التالية:

الفشل في تحقيق النجاح والطموح: كالنجاح في الدراسة والتحصيل أو الحصول على الوفرة المالية أو الحصول على المكانة الاجتماعية أو التقدم في العمل أو الوظيفة أو الوصول إلى منصب أو مستوى قيادي معين، أو حتى الوصول إلى غاية عاطفية كالزواج من فتاة معينة أو الظفر بالتبادل الوجداني معها.

الحالة النفسية المرضية كانفصام الشخصية والهستيريا والعدوانية الشديدة وحب الإيذاء.

تلقي الاضطهاد أو الإيذاء من المحيطين كالأب القاسي أو الزوجة الاضطهادية أو زوجة الأب المتجبرة، ومقابلة ذلك بالصبر والصمت لمدة طويلة والوصول بالحالة إلى حد الاحتدام.

الشعور بالإذلال والاحتقار من قبل الآخرين نتيجة فعل مشين أو خطأ فادح، يضر بالسمعة أو الشرف أو يمس القيم الأخلاقية والمعايير السلوكية التي تتصل بالفاعل شخصيا أو أسرته أو عشيرته، كحالات الاغتصاب والانتهاك الجنسي والخطف الطوعي والعلاقة الجنسية غير الشرعية والحمل السفاح، والتجسس والتعامل مع العدو.

العيش في حالة بؤس أو إعسار مادي لا يجد الفاعل منها فكاكاً, وخاصة إذا أفضت إلى حقد على الآخرين وسخط على المجتمع.

التدين الشديد وسط محيط غير متدين, وشعور الفاعل بأنه غير قادر على ردع المحيطين به على القيام بالسلوك الذي يغضب وجه الله سبحانه وتعالى، كأن يكون الأب يتعاطى المخدرات والمسكرات، أو الأخوات لا يلتزمن باللباس المحتشم، أو الأم مستهترة بالالتزام الأخلاقي تجاه بقية أفراد الأسرة.

الاكتئاب الشديد الذي يجعل الفاعل ينظر إلى الحياة بسوداوية، ويرى الحياة لا تستأهل العيش، وأن انتظار الأجل لمدة طويلة أمر لا يحتمل.

إن واحدة من هذه الأشكال أو أكثر يمكن أن تتوفر في شخص الفاعل، الذي تظل تراوده ولمدة طويلة أفكار شتى، غالبا شريرة للخلاص من آلامها وعذاباتها ومنغصاتها حتى إذا ما استقر رأيه وانعقدت نيته على الخلاص منها عن طريق إنهاء حياته، أو وضع حد لحياة الأقربين المحيطين به, كتعبير حاد عن سخطه على هذه الحياة برمتها، اندفع باتجاه الحل الشنيع (الحاسم برأيه) ألا وهو استخدام إحدى الوسائل القاتلة والفاتكة بالأرواح.

ويدخل هؤلاء المحيطين الأقربين ضمن إطار العوامل والمسببات التي أوصلته إلى الحالة البائسة المقلقة المتعبة لديه.

وبما أن القاتل عادة ما تنفتح شهيته على القتل عندما يزهق أول روح، فإن الانقضاض على الثاني أو الثالث أو الرابع يصبح سهلا وربما ممتعا بالنسبة إليه.

حتى أن السَّيَّاف (أي المكلف بتنفيذ حكم الإعدام بضرب عنق المذنب بواسطة السيف)، يحاط به بحذر بأشخاص أقوياء مدربين حتى لا يوغل بضرب الأعناق تجاه المحيطين به من غير المذنبين، بعد أن يكون قد أدى مهمته وقطع رؤوس مجموعة ممن تقرر تنفيذ حكم الإعدام بهم في تلك اللحظة داخل المكان المخصص لذلك.

وعلى هذا الأساس فإن معالجة الأمر لا تتم إلا عن طريق قطع أسبابه وذلك على صعيدين: الأول فردي، والثاني مجتمعي.

وبطبيعة الحال فإن المعالجة على المستوى المجتمعي أكثر تأثيرا وأبعد أثرا، وهي تخفف من الآثار على المستوى الفردي، وتجعل من المعالجة على الصعيد الفردي محدودة ومحصورة وأقل كلفة كمجهود!!.

ولا اختلاف على أن العدالة الاجتماعية هي المنطلق للأمن الاجتماعي، وهي التي يتبعها توزيع الفرص والمكاسب على الجميع، وهي التي تمنع التغول والاستغلال من قبل فئة قوية تجاه فئة ضعيفة، وكذلك غرس القيم الأخلاقية والاتجاهات السلوكية السليمة، والتمسك بأهداب الدين، هذه المبادئ التي تهذب الذات وتهدئ النفوس وتبني الشخصية، على أساس الثقة بالآخرين والنوايا الصادقة تجاههم بالتعامل والمشاعر، عدا عن توفير أسباب الرفاه الاجتماعي الاقتصادي بإيجاد فرص العمل، والحد من الاحتكار والجشع، والمحافظة على أسس الكيان الأسري، القائمة على التواد والتفاهم والتراحم والتعامل المنصف بين أعضائها.

ولا يخفى أن التعامل مع الأبناء منذ الطفولة، يراكم لديهم خبرات وانطباعات، توجه مشاعرهم وانماط سلوكهم ومواقفهم من الآخرين في المستقبل.

كل ذلك وما يماثله يشكل تنمية للشخصية الإنسانية الايجابية وتوفيرا للبيئة الاجتماعية الملائمة، التي تساعد على الأمن والاستقرار والأجواء المناسبة للتفاعل الخلاق والعطاء المستمر في المجتمع عامة وداخل كل أسرة فيه خاصة.

ومن هنا نرى أن المسؤولية تقع على الجميع وفي كل موقع وفي كل دور، داخل الأسرة والعشيرة وفي المدرسة والجامعة ودور العبادة والأندية ومراكز الشباب ووسائل الإعلام بأنواعها والنقابات والأحزاب والروابط الثقافية، فضلا عن دور السلطات الدستورية الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ بحيث تشرع ما ينظم حياة الناس ويحفظ الحقوق والواجبات (تشريعيا)،وتصدر أحكامها بأوقاتها وتعيد للناس حقوقها (قضائيا)، وتخلق جوا من الارتياح للتعاون والعطاء (تنفيذيا).

نرى في الأردن أيضا عمليات قتل من خلال مشاجرات فردية أو جماعية، ما تفسيرك لذلك! وكيف يوضع حد له؟!

- إن الدور الرئيسي الذي احتفظت به الأسرة، وامتازت به عن غيرها من النظم الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، هو دورها في عمليات التنشئة الاجتماعية، وظلت من خلال خصائصها التي انفردت بها من أنسب هذه النظم والمؤسسات في المجتمع.

تبدأ فيها ومنها عملية التنشئة الاجتماعية؛ فالأسرة التي تنشئ ابناءً معتدلين في سلوكهم وقناعاتهم، تقدم أنموذجاً إيجابياً وفعالاً ومنتجاً في ذلك المجتمع، أما الأسرة التي تنشئ ابناء متطرفين أو متعصبين فانها تقدم أنموذجاً آخر يؤثر سلبا في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، ومما ينعكس على المجتمع بمجموعه، كل ذلك لأن لأفراد الأسرة الواحدة ثقافة خاصة بها، وثقافة المجتمع هو الناتج الكلي لمجموع تلك الثقافات وتفاعلها واندماجها ببعضها.

ويحصل اختلاف بين المجتمعات الإنسانية في مدى اكتساب قيم ما بعينها، أو إهمال قيم أخرى، أو التشدد في تعليم أبنائها قيماً لا بد من اكتسابها، فعند هيمنة هذه القيم في أسرة ما، تعكس حينئذ طبيعة القيم الاجتماعية والمعتقدات السائدة، والثقافة التي تمنح الأفراد مكونات شخصياتهم مستقبلاً.

فالأسرة في مجتمع ما قد تغرس في نفوس الأطفال منذ سن الثالثة من العمر اتجاهات محددة عن الناس من الأجناس المختلفة، ويغرس البعض منهم التعصب في الصغار عمداً، وهذه الاتجاهات تثبت بسهولة نتيجة الخبرات اليومية، وخاصة عندما يتحدث الآباء عن جماعات أخرى أو شعوب أخرى داخل أسرهم، فيكون التعلم بالملاحظة، ومن المحتمل أن يتم تعلم التعصب عملياً من توجيهات المعلمين والآباء وجماعات الأقران.

ولهذا نجد إن تنشئة الطفل وتربيته على الاعتزاز بالهوية الوطنية والشعور بالانتماء الحضاري والإنساني مع التشبع بثقافة التآخي والتسامح واحترام وحب الآخرين والانفتاح على المجتمعات الأخرى ونبذ التعصب بجميع أشكاله الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية هي نتاج للقاعدة الرئيسية الجيدة للتنشئة الاجتماعية.

ولتحقيق هذا الهدف يتوقع أو يتوخى من الأسرة-أية أسرة- أن تركز على تكوين شخصية استقلالية معتزة بنفسها وصادقة وواثقة ومتواضعة وبعيدة عن التعصب بجميع أشكاله، في ذات كل ابن من أبنائها.

وحتى ينشأ الطفل- أي طفل في أية أسرة- على الاستقلالية ويعتاد الاعتماد على النفس في تصرفاته، ويتجنب التعصب، باعتياد الانفتاح على الآخرين والتعامل معهم بمحبة وود وتسامح، يتوقع أو يتوخى من الأسرة- الآباء والأمهات فيها بالذات- أن يهتموا بهذا الطفل اهتماماً بالغا منذ الصغر، بدون افراط (تدليل) ولا تفريط (اهمال)، فيحاولوا أن ينموا مقومات الشخصية عند طفلهم بالقدوة الحسنة، ويجب عليهم أن يسلكوا معه بصورة يعتقد الطفل معها أنه ذو شخصية مستقلة وأنه عضو حقيقي في الأسرة منذ نعومة أظفاره.

وفي نفس الوقت يتلقى التوجيه من أمه وأبيه ويستفيد من تجربتهما في الحياة, وفي التعامل مع الأخرين على نحو سليم وبأريحية عالية.

أما الأطفال الذين يشاهدون سلوكا عدوانيا متكررا بشكل واسع، فانهم يقومون بتخزين مثل هذا النمط من السلوك، ومن ثم استعادته وتنفيذه، وذلك حالما تظهر المؤثرات الملائمة لإظهار هذه الاستجابات السلوكية العدوانية.. وما ينطبق على العدوانية ينطبق تماما على التعصب.

كيف تنظر إلى العنف المجتمعي في الأردن، ولماذا طال صروح العلم كالجامعات والمدارس؟!

- ينطبق حديثي في إجابة السؤال السابق على ظاهرة العنف المجتمعي في المجتمع الأردني والعربي.

واتحدث هنا عن العنف داخل الجامعات والذي يمثل نقل صورة عن العنف المجتمعي مع اختلاف ظاهري في اشكال هذا العنف داخل الحرم الجامعي وبواعثه المباشرة.

وهي بالعموم بواعث تافهة اثارتها طبيعة نفسية الطالب الذي اوقد شعلة العنف او بذر بذور الفتنة، كأن يستفز الطالب عندما يرى زميله يتحدث لمدة الى زميلته–ابنة عم ذاك الذي استفز- او عندما يلمس الطالب اختلافا في تعامل بعض الأساتذة مع الطلبة تبعا للنوع (ذكورأو اناث) او الجهة الجغرافية او الاختلاف التنموي(مدينة/قرية/بادية) وما يُبنى عليها من ثقافة وانماط عيش.

كذلك عندما تبدو في أروقة الجامعة ممارسات الثراء في الملبس والمأكل والسيارة امام فئة اخرى ذات عوز وشعور بالحرمان.

ولا شك ان العدالة الاجتماعية العامة وتكافؤ الفرص في المجتمع عموما والوعي الاجتماعي وادراك ان الحياة كفاح وان الانسان خُلق في كبد.. وان الصبر مفتاح الفرج تدخل جميعها في عوامل التشخيص ومقومات العلاج في نفس الوقت.

ولماذا أيضاً تحدث اعتداءات على المدرسين والأطباء في اماكن عملهم؟!

- للأسف أن ذلك قد تكرر وتزايد في العقدين الحالي وسابقه, ليس في المجتمعين الأردني والعربي فحسب!! بل في العالم اجمع!!.

فقد كان لوسائل التواصل الاجتماعي والمناداة بالحرية للتعبيرعن الرأي والتوجه نحو الاستقلالية الفردية مع شيء من التسيب والترهل في إجراءات ضبط السلوك الخاص بالأسرة وبالمؤسسات العامة كان من اسباب بروز الظاهرة، ممزوجا بالتعصب العشائري أو المشاعر العائلية ومع ملاحظة عدم الاهتمام الذي يبديه الأطباء، وفقدان المدرس للهالة التي كنا نراها حوله ايام كنا بالمدارس والجامعات.

وقد اتى كل ذلك في توجهات العالم الجديد لكسر الحواجز بين المعلم والطالب.. وبين الأب والابن.. وبين كبير السن والصغير..فكل ذلك افضى الى هذه المشاعر الجديدة والممارسات المهينة.

باتت دائرة التوتر في المجتمع الأردني تتسع،لماذا؟

- إن التطورات الحادثة بعد موجة الكساد الاقتصادي العالمي و حلول موسم ما يسمى بالخريف العربي(الربيع العربي سابقا) وموجة التطرف الديني وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل فاحش وانزلاق الطبقة الوسطى نحو الفقر وفشل مشاريع التنمية وتدني امكانيات الدولة لاقامتها واستدامتها وفقد الأسرة لمركزها كقدوة لابنائها وفقد العشيرة لزمام القيادة لأبنائها وتكاثر السكان وتزايد اللاجئين والنازحين من مناطق التوتر والازدحام السكاني والمروري وإرهاق الناس قبل تلقي الخدمات المجانية وحتى المدفوعة الأجر وتزايد الشعور بالاغتراب داخل البلاد وحتى داخل القرية الواحدة والحي الواحد داخل نفس المدينة... كل ذلك وفر اجواءً مناسبة لظهور التوتر بشكل حاد.. والتباغض وتجاوز تلك المشاعر الخاصة الى ممارسات فعلية عنوانها العنف والايذاء المباشر!!.