أبواب -غدير سالم

تعاني عائلات كثيرة من رب عائلة عصبي يجعل الجو العام فيها كئيبا ومتوترا، وهو ما ينعكس سلبا على الواقع الاجتماعي والنفسي للزوجة والأبناء، ويحيل حياتهم إلى جحيم لا يطاق ويقود إلى تشكيل شخصيات مضطربة وكئيبة خصوصا إذا كانت عصبية رب العائلة من النوع الحاد.

وبحسب دراسة برازيلية، أجريت عبر الإنترنت على 3000 شخص من جنسيات مختلفة؛ فإن:«النصيحة الأولى للمرأة في حال كان زوجها من الرجال الذين تصيبهم نوبات من العصبية والغضب، هي أن تتمالك نفسها إلى أقصى الحدود، وأن تضع «الأنا» جانباً إلى حين توقف البركان من قذف حممه، وأن تفعل ماهو في صالح الطرفين، وكذلك يمكن لها أن تسلح نفسها بعقل ومنطق قويين يتفوقان على غضب وعصبية الزوج».

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي: «العصبية كسلوك يتخللها جوانب انفعالية تؤثر في الصحة النفسية والجسدية للشخص، وللعصبية أضرار فسيولوجية وانفعالية ونفسية واجتماعية على الشخص العصبي».

ويضيف إن:«العصبية تؤدي إلى تسارع دقات القلب، الارتجاف، أوجاع في البطن، وارتفاع في نبرة الصوت، فتتسبب في خلل كامل في فسيولوجية الجسم، أما الأضرار النفسية لها فهي تؤدي إلى سوء تكيف الشخص مع ذاته والبيئة الخارجية، وأما الأضرار الاجتماعية فهي تجعل الآخرين ينفرون من الشخص العصبي».

ويبين التميمي:«إن للعصبية أسباباً إما داخلية أو خارجية»، ويشر إلى أن الأسباب الداخلية مرتبطة بطريقة استجابة الفرد للرسائل الصادرة من الآخرين، فنجد أشخاصاً كثر يسهل استفزازهم فهم يثورون لأي أمر سواء يستحق أو لا يستحق، وتكرار هذا النمط من ردود الأفعال يصبح عند الشخص نمط أو عادة أو سمة في شخصيته».

ويشير التميمي إلى أن:«الأسباب الخارجية للعصبية مرتبطة بظروف الحياة والضغوط الناتجة من الأسرة وغلاء المعيشة، والعمل، ومن الحياة الاجتماعية، فالعلاقات جميعها هي مصدر للضغوط، ولكن المهم هنا أن يعي الشخص أن عصبيته أصبحت لها آثار ضارة عليه وعلى الآخرين».

ويلفت إلى أن:«آثار العصبية لدى الزوج يدفع ثمنها الأبناء والزوجة، وتؤثر على شخصياتهم، فالزوج العصبي يطور أبناء عصبيين فمن يعايش العصبية من الممكن أن يمارسها فيما بعد».

ويؤكد أن:«العصبية تؤثر أيضاً على شخصية الأبناء أو النمو النفسي السوي لهم، ومن الممكن أن تصبح شخصياتهم خجولة سلبية غير مؤكدة لذاتها، وأن تصبح شخصياتهم أيضاً عدائية، عدوانية وهجومية، فبالتالي لا بد للزوج العصبي أن يعي وينتبه لعصبيته، لأن الأب في أسرته نموذج وقدوة، ولا بد أن يراقب ردود أفعاله ونبرة صوته، فهو بطريقة مباشرة وغير مباشرة يؤسس ويبني نماذج سلبية جراء عصبيته على أبنائه».

ويرى التميمي أنه: «إذا بدأ الزوج العصبي يعي أن عصبيته أصبحت تخلف آثاراً سلبية على صحته النفسية والجسدية والاجتماعية فلا بد أن يطلب المساعدة من أهل الاختصاص، فالأخصائي النفسي قد يساعده في تصحيح ردود أفعاله وفي تعليمه استجابات أكثر تكيفية من خلال الاسترخاء والتنفس والتأمل وإعادة صياغة الأفكار أو الرسائل الصادرة من الآخرين».

ويلفت إلى أنه:«إذا كانت الحالة متطورة أكثر فإننا هنا نحتاج إلى أدوية نفسية ومضادات للاكتئاب والقلق، ومهدئات لتهدئة الشخص والتخفيف من ردود أفعاله جراء الرسائل الصادرة من البيئة الخارجية».

ويقول أخصائي علم الاجتماع الدكتور فيصل الغرايبة: «إن مزاج الأب ينعكس على الأجواء الأسرية بشكل عام ويؤثر على تربية الأبناء بشكل واضح، فإن كان هذا المزاج انبساطيا بطبيعته فإنه يقود إلى الارتياح والطمأنينة لديهم وإن كان مزاجه نزقاً متوتراً ويتصف بالعصبية فإنه يولد في نفوس الأبناء حالة من التوتر وعدم الانسجام داخل الأسرة وينعكس على تعامل الأبناء مع أقرانهم وزملائهم».

ويضيف :«كثير من الآباء الذين يحكمّون عقولهم يحاولون إخفاء غضبهم أمام أبنائهم وتجنب التصرف بعصبية تجاههم وخاصة إذا لم يكن هؤلاء الأبناء سبباً للعصبية».

وينوه إلى أن:«حالة التوتر تتولد لدى الأبناء عادة إذا ما انتابت العصبية آباءهم نتيجة مواقف سلبية خارج الأسرة كظروف العمل والصدام مع الزملاء والاستحقاق المادي في ظل محدودية الإمكانيات المالية».

ويرى الغرايبة أن:«الرواية والدراية والصبر والتسامح هي من الصفات التي تزيل العصبية أو تمنع تكونها أساساً، فينبغي على الأزواج أن يتصرفوا مع الأبناء والزوجات بهدوء ودراية من غير انفعال أو توتر أو عصبية، وأن يحاولوا ما بوسعهم توفير أجواء الهدوء والسكينة في بيوتهم، وأن لا يفرضوا آراءهم، وأن يحكموا عقولهم قبل أن يتصرفوا بسرعة وعصبية، فالخطوات غير المحسوبة تضرب عناصر الثقة والود بين الطرفين».

ويشير إلى أن :«على الزوجة شريكة العمر أن تقوم بالجهد الأكبر لتهدئة أعصاب زوجها، وأن تحد من تصرفاته التي تصدر عنه في حالة العصبية والتوتر لا أن تلجأ لمقابلة العصبية بعصبية، بل أن تتعامل بروية وهدوء وابتسامة وحسن نية، وأن تحاول تهدئته وهو في هذه الحالة».