عمان - حنين الجعفري

شباب يريدون البدء بصعود السلم من الأعلى. هذا هو حال رافضي البحث عن فرصة عمل عدا الأعمال المكتبية.

يريدون رواتب أفضل منذ البداية، وعملاً أقل، وتقديراً مع سيرة ذاتية تخلو، مما يمكن ان يقولوه عن أنفسهم.

حال «ع.ج » هكذا. وكذلك «ن.ع»، بل وحتى الشابة «ل.ب».

ما الحل في ثقافة لا تسعف صاحبها بأن الملعقة الذهبية ليست للكثيرين، بل وأن البعض ولد وفي فمه شوكة، عليه أن يعالجها.

لهذا فرّقت العرب بين «العصامي» والعظامي». عصامي يدرك أن عليه الاعتصام بنفسه لا اللجوء إلى عظام أهله وذويه.

«ع.ج» يرفض البحث عن أي فرصة عمل غير فرص الاعمال المكتبية، حاله كحال اغلب الشباب الاردني الذي يرجح كفة العمل المكتبي عن باقي الاعمال الاخرى بل وتتعدى هذه الكفة عنده برفضه اي فرصة عمل مؤقتة قد يجدها والاستمرار بالبحث عن كفته المفضلة.

وعزا الشاب «ن.ع» رغبة الشباب في العمل المكتبي للامتيازات التي يحويها فضلاً عن أنها تشكل تميزاً لصاحب الوظيفة بالاضافة الى الراحة في العمل مما يحقق إنجازات اكثر لدى بعض العاملين.

أما «ل.ب» فتقول إن العمل المكتبي الأفضل للضمانات التي يحتويها بالاضافة الى انه البيئة الانسب خصوصا للاناث.

الخبير الاقتصادي حسام عايش يرى ان تفضيل العمل المكتبي لدى الشباب له اسباب تاريخية.

ويقول: الحكومات منذ نشأتها كانت مصدر الاعمال المكتبية وهي تستقطب الخريجيين وهي بالمحصلة من توفر المظلة للوظائف.

ويتابع ان البُعد التاريخي انعكس على رغبة الناس في البحث عن وظيفة في القطاع العام الذي تضخم ووظف لاسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فاصبح واحداً من اهم خمسة قطاعات نسبة لعدد السكان في القطاع العام الاردني، فبقيت الرغبة في العمل فيه لأنه يوفر سلطة مما انعكس على رغبة الأغلبية في العمل بهذه السلطة.

ويشير عايش إلى ان الشباب يرى في العمل المكتبي سلطة ودخلاً مناسباً وامتيازات عديدة تتعلق بتكملة الدراسة او المنح واوقات العمل المحددة، فهذا الاداء الرشيق للقطاع العام اغرى الشباب بهذه الوظيفة.

ويتابع في الوقت ذاته هذا اثر على موازنة الدولة كرواتب واجور وتقاعد بالاضافة الى ان القطاع العام غير قادر على استيعاب المزيد من الوظائف.

ويشير الى اهمية تغيير هذه الثقافة والتركيز على وظائف اخرى. ويقول: المجتمع الحقيقي هو الذي يخلق الوظائف المكتبية وغيرها تتناسب مع الخريجين والمتعطلين عن العمل كذلك.

بينما يرى الخبير الشبابي الدكتور محمود السرحان بان ميل الشباب الى العمل المكتبي اكثر من ميلهم للعمل المهني او اليدوي وذلك لاسباب واعتبارات ذاتية واجتماعية وقيمية وتاريخية لم تأت من فراغ، بل تكرست وترسخت عبر سنوات طويلة بفعل التربية والتنشئة الاجتماعية التي شجعت ذوي الياقات البيضاء على حساب ذوي الياقات الزرقاء وليس هذا فحسب بل صنفتهم في رأس سلم المهن والاعمال المقبولة اجتماعياً ومجتمعياً وقيمياً.

ويتابع:لعل التعليم والتدريب والتأهيل والتمكين المستمر للشباب تشكل ابرز الآليات العملية لتعديل سلوك الشباب وتشجيعهم على سلوك الواقعية والعقلانية والعملية والمرونة والانفتاح والاندماج بالمتاح والممكن من فرص عملية والتدرج في قبول الفرص المتاحة دون انتظار فرص مأهولة قد تأتي او لا تأتي.

ويضيف: قد يكون المناسب ان تلجأ الدولة عبر مؤسساتها الحكومية وغير الحكومية والتشريعية والاعلامية لسلسلة من الاجراءات والسياسات التي من شأنها ان تحث الشباب وتشجعهم على قبول العمل المهني المتاح.

ويرى السرحان أن أبرز هذه السياسات والإجراءات هو تعديل وتكييف التشريعات الناظمة لسوق العمل بحيث تعمل على رفع الحد الأدنى للاجور كمقدمة لحث الشباب وتشجيعهم على الانخراط في العمل المهني المتاح دون انتظار الوظيفة المكتبية، فضلا عن شمول العاملين في القطاع الخاص بالتأمين الصحي سواء المستشفيات الحكومية او الخاصة وفق شروط ومعايير محددة تراعي مصلحة الجميع.

ويتابع: لعل المسألة الجوهرية في هذا السياق تتعلق بفك الارتباط بين الشهادة العلمية والعمل.

وفي هذا الاطار - يقول - لا بد من حسم مسألة «العلم للعمل او العمل للعلم» على غرار مسألة «الفن للفن ام الفن للحياة».

ولتبسيط المعنى في هذا المجال يقول إنه لا يفيد الشباب ان يتخرجوا من ارقى واعرق الجامعات وفي مختلف التخصصات العلمية وان يعملوا في نفس الوقت عند تخرجهم في الفرص المتاحة دون انتظار المناسب او الملائم لتخصصاتهم وشهاداتهم العلمية, بمعنى ان لا تكون الشهادة العلمية بأي تخصص كان عائقاً في قبول الوظيفة المتاحة فالشهادة العلمية بالنتيجة وبالضرورة ينبغي ان تكون جواز مرور للحياة على سعتها واطلاقها وليست كصورة بمجال اختصاصها.

ويشير إلى أن توفير بيئات آمنة وداعمة وصديقة وجاذبة للشباب وتوفير الفرص والامل والوعود من شأنها ان تغير الذهنية والعقلية لتكون اكثر من واقعية وعملية وعقلانية واكثر مرونة واندماجاً وانفتاحاً ومشاركة.