أبواب - زياد عساف



علاقات انسانية متشابكة نسجت خيوطها شخصيات جمعتها الأقدار مابين جدران الصفوف وتحت أسقف قاعات المعاهد والجامعات، ولعل ما يسترعي الانتباه والتأمل تلك العلاقة الإنسانية مابين التلميذة والأستاذ، ما حفَّز صنَّاع السينما العربية لتناولها من عدة جوانب، وكانت المحصلة نوعين من الأعمال،عبرت الأولى في مضمونها عن قيمة فنية وانسانية تستحق أن تكون مرجعا يدرس في الكليات والمعاهد المتخصصة بالمجال الفني والإنساني، واقتصرت الأخرى على السخرية واثارة الضحك وللأسف كان لها مردود سلبي على أجيال عاصرت هذه النوعية من الأعمال.

الباب المفتوح..

يبقى (الباب المفتوح) من أهم الأفلام التي تناولت هذا الموضوع، وتكمن أهميته في إعلاء قيمة التحرر الإيجابي في سلوك وفكر المرأة لتأخذ المكانة التي تستحق، وتم انتاجه عام 1963 وهي الفترة التي تطلبت لأن يكون لكل فرد دوره البنَّاء في المجتمع، ما تطلب التركيز على المهام الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تضطلع بها المرأة، وكان للسينما دورها بتسليط الضوء على هذا النوع من القضايا بطبيعة الحال.

سيدة الشاشة العربية كانت الأقدر على أداء هذا الدور على الشاشة الفضية، وجاء العمل من واقع تجربة شخصية عاشتها المؤلفة والأديبة لطيفة الزيات، وضمن سيناريو متقن يحكي قصة (ليلى) فاتن حمامة المخطوبة لفؤاد أستاذها في الجامعة (محمود مرسي)، والذي يحاول صياغة شخصيتها على طريقتة الشرقية التقليدية، إلا أنها تتمرد على هذا الواقع، وتختار في النهاية الإنفصال عن فؤاد بعد أن وجدت الحب الحقيقي في شخص حسين (صالح سليم) نموذج للشاب الوطني المثقف الذي أشعرها بكيانها كإمرأة على عكس استاذها، وينتهي الفيلم بمشهد يجمعها في محطة القطار مع حسين ليلتحقا معا في صفوف المقاومة أبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

غصن الزيتون..

ومن التجارب السينمائية الإيجابية المتميزة بهذا الصدد أيضا، يعتبر فيلم (غصن الزيتون) تأليف محمد عبد الحليم عبدالله واحدا من هذه الأعمال التي تستحق الدراسة، انتاج عام 1962 وهي نفس الفترة التي عُرِضَ بها (الباب المفتوح) تأكيدا لأهمية تناول القضايا الاجتماعية والإنسانية على الشاشة الكبيرة، يتطرق العمل لشخصية عطيات أو سعاد حسني طالبة الثانوية الجميلة المهذبة التي اثارت اعجاب استاذها عبده (احمد مظهر)، وبادلته المشاعر بالمثل، وبعد زواجه منها ظل يعيش في حالة من الشك والغيرة نظرا لما كان يسمعه عن علاقتها السابقة بزميله المدرس جمال (عمر الحريري)، ليكتشف في النهاية زيف هذا الوهم، وأنها أهل للوفاء والإخلاص، ويعتبر هذا العمل إنصاف المرأة، وإدانة غير مباشرة للفكر الذكوري المتمثل في نوعية ليست بالقليلة في المجتمع الشرقي الأسير للشك والهواجس التي لا أساس لها من الصحة في أغلب الأحيان.

أستاذ حمام..

ولأن قيمة الأشياء تعرف بضدها لابد من التوقف عند فيلم «غزل البنات» لليلى مراد ونجيب الريحاني، والأخذ بعين الاعتبار الفترة التي أنتج بها وهي أواخر الأربعينات (1949)، وبالتالي يعكس العمل طبيعة المفاهيم الإجتماعية السائدة أبرزها حالة التفاوت الطبقي في المجتمع المصري اّنذاك، من خلال شخصية الأستاذ حمام الفقير البائس رث الثياب، والمخلص في الوقت نفسه بأداء رسالته التعليمية رغم ظروفه البائسة، وبعد أن تم رفده من التدريس، يسوقه القدر بأن توكل اليه مهمة تدريس مادة اللغة العربية لليلى ابنة الباشا نظرا لرسوبها المدوي في هذه المادة، وفي قصر الباشا تبدأ ليلى مع زميلاتها بالسخرية من الأستاذ حمام في عدة مواقف، لدرجة التهكم على اللغة العربية التي يدرِّسُها ويلمس المستمع ذلك بأغنية ليلى مراد (أبجد هوَّز) ومنها:

» إن جاء زيد (ن) أو حضر عمر(ن)

طب واحنا مالنا ان شالله ما حضروا

والمبتدا ح نجيبلك خبره

من نظره واحدة ح يصبح عدم(ن)».

وطيلة الفيلم يحاول الأستاذ حمام ان يخفي مشاعر الحب تجاهها ، في المقابل تستغله هي بعد أن أوهمته بالحب بهدف أن يرافقها لتلتقي بشخص نصاب استطاع أن يوقعها في حبائله، ويخلصها استاذها في النهاية من هذا الفخ، محتفظا بمشاعره ومن طرف واحد نظرا لفرق السن، والوضع الاجتماعي الذي يمنع ارتباط استاذ غلبان بإبنة الباشوات سليلة الحسب والنسب.

مدرس خفي..

ومابين الأعمال المتميزة والعادية يحفل الأرشيف السينمائي بأفلام عديدة تتطرق للعلاقة مابين التلميذة وأستاذها ومنها: ذكريات التلمذة 1965 لعبدالله غيث وامال فريد، امرأة من القاهرة محمود ياسين وماجدة الخطيب 1973، الضحايا نور الشريف وبوسي 1975، وجمعهما أيضا (اخر الرجال المحترمين) 1983 ويتطرق لفرجاني الأستاذ الملتزم الذي يبحث عن تلميذته الطفلة المخطوفة أثناء رحلة مدرسية يشرف عليها.

المخرجة كاملة ابوذكري أعادت طرح هذه القضية بفيلمها المتميز: ملك وكتابة 2006 بطولة هند صبري ومحمود حميدة، ويدور حول قصة حب رومانسية تجمع تلميذه بأستاذها في مادة التمثيل المسرحي، ويكون نتاج هذه العلاقة الإنسانية نجاح التلميذة بمساعدة معلمها بتخطي ازمة شخصية يعيشها بعد اكتشافه خيانة زوجته له.

بعض الأفلام تطرقت لما يمكن تسميته ب: المدرس الخفي أو غير المباشر، والذي يقوم بدور المدرب لفرقة غنائية أو مسرحية، أو شخصية مرموقة لكاتب او باحث يتبنى فتاة من بيئة اجتماعية بسيطة يهذب من سلوكها ويرتقي بشخصيتها من خلال إطلاعها على عوالم الفن والأدب.

ومن أبرز هذه هذه الأعمال: قصة ممنوعة 1963 ماجدة وشكري سرحان، سيدتي الجميلة 1975 محمود ياسين ونيللي، مولد يا دنيا محمود ياسين وعفاف راضي 1976، المتوحشة 1979 سعاد حسني ومحمود عبد العزيز.

محاذير..

وكما هو الحال في واقع الحياة، تبقى هناك محاذير اجتماعية تحول دون الإرتباط بين التلميذة والأستاذ ولعدة أسباب، وتطرقت السينما لهذه الرؤى والمفاهيم السائدة خاصة عندما يتعلق الأمر بالمادة التي يدرسها المعلم، وينظر إليه بعين الشفقة لوكان مدرس لغة عربية على سبيل المثال، في الوقت نفسه هناك رفض مبطن من الأهل لفكرة نسب أو مصاهرة مدرس لواحدة من فلذات اكبادهم.

ما يسترعي الانتباه وحسب ما ورد بالعديد من الأفلام، أن هذه المحاذير لا تنطبق على مدرسي الموسيقى سواء من ناحية عمله كمعلم في مدرسة أو جامعة، أو كمدرس خصوصي يقوم بتعليم الموسيقى لفتاة في المنزل على سبيل المثال، لما يمثله من قيمة اجتماعية وحضارية،تؤهله أن يلقى كل الترحيب من الاهالي حين يتقدم للإرتباط بواحدة من تلميذاته دون النظر لفارق السن أو وضعه الإجتماعي والمادي.

شارع الحب..

النموذج الأقرب لهذه الرؤيا يلمسها المشاهد من خلال تسلسل أحداث فيلم: شارع الحب 1958، ويحكي قصة الموسيقي عبد المنعم صبري (عبد الحليم) القادم من شارع محمد علي، ويعين كمدرس موسيقي في نادي يضم مجموعة من فتيات المجتمع المخملي، ويبدأن بالتخطيط للإستحواذ على اهتمامه، ومع تصاعد الاحداث يتوجه لتدريس كريمة في منزلها، وتقوم بدورها (صباح) الفتاة الثرية ابنة العائلات الغنية والعريقة، وينتهي الفيلم بالزواج منها دون التطرق لفكرة رفض هذا الإرتباط لأسباب تتعلق بوضعه الإجتماعي من قريب أو بعيد.

وقريبا من هذه الأجواء تقع أحداث فيلم: علموني الحب 1957، ويتصاعد الحدث الدرامي بوقوع استاذ الموسيقى سامي (سعد عبد الوهاب) في غرام تلميذته نوال (ايمان)، ويحاول الابتعاد عنها احتراما لمشاعر صديقه ممدوح (احمد رمزي) المتيم بها، وفي النهاية يتزوج سامي المدرس البسيط من نوال التي تبادله نفس المشاعر أيضا، متجاوزين الفوارق الاجتماعية بين الطرفين التي لم تقف عائقا أمام هذا الإرتباط.

أيامي السعيدة..

وهذا ماينطبق على مسعود ابو السعد أو (عبد المنعم ابراهيم) بفيلم: أيامي السعيدة 1958، ويقوم بدور استاذ الموسيقى الغلبان الذي يعطي دروسا في البيانو لأزهار (فيروز المصرية) ابنة رجل الأعمال باهر (حسن فايق)، وينتهي بهما الحال في عش الزوجية بعد أحداث عديدة تعترضهما يتغلبان عليها نهاية الأمر، ومع استاذ بيانو اّخر جسَّدَ دوره عماد حمدي (فتحي) بفيلم: لاتطفيء الشمس 1961، ويقوم بتدريب فاتن حمامة (ليلى) عالبيانو، وتنشأ بينهما قصة حب رغم انه متزوج.

استمرت السينما بتقديم شخصية مدرس الموسيقى وضمن هذا السياق، ففي عام 1968 التقى النجمان سعاد حسني وشكري سرحان، أو سلوى ووحيد، وكان لقاؤهما بفيلم (التلميذة والأستاذ)، وضمن نفس السيناريو المتكرر يقع الأستاذ وحيد مدرس الموسيقى في غرام تلميذته سلوى الموقوفة في المؤسسة الإجتماعية التي يدرس بها وحيد، ويعود سبب سجنها بتهمة الدفاع عن النفس بعد تعرضها لاعتداء من احد الأشخاص، وتؤول نهاية الفيلم لنفس الأحداث السعيدة التي انتهت اليها الأعمال السابقة.

سيكولوجيا..

بنظرة فاحصة لمجمل هذه الأفلام، لابد من الإشارة لمجموعة من الملاحظات أهمها عدم تطرق أغلبها لتحليل البعد النفسي والسيكولوجي للدوافع المؤدية لارتباط عاطفي بين تلميذة وأستاذها سواء في المدرسة أو الجامعة، وحالة التداخل بين المشاعر الحقيقية والوهم الناجم عن ضبابية الرؤيا والنتائج المتوقعة فيما بعد.

دراسات وأراء كثيرة للعديد من الإخصائيين تطرقت لتحليل أسباب وأبعاد هذا النوع من العلاقات، وحول هذه القضية يذكر الدكتور وائل سمارة استشاري الطب النفسي أن مرد ذلك يعود غالبا لخلل في العلاقة بين البنت والأب، وغياب دوره المؤثر في حياتها، فتجد البديل في صورة استاذها لما يعكسه من حالة النضج والوقار الذي يمثله الأب ما قد يعوضها عن هذا الحرمان ، وعلى العكس قد تكون العلاقة بين البنت والأب متوازنة وترغب بأن يكون شريك حياتها بصفات والدها،خاصة فيما لو كانت الفتاة بمرحلة الدراسات العليا، باعتبارها ناضجة وقادرة على اتخاذ قرار الإرتباط بأستاذها صاحب الخبرة والحكمة الغير متوفرة على الأغلب بزملائها الذين يقاربونها بالعمر، ومن غير المستبعد ان يتكلل هذا الزواج بالنجاح.

وهم المراهقة

وفيما يتعلق بالفتاة المراهقة يتابع د.سمارة بأنهن وعلى الأغلب يعشن حالة أقرب للوهم لطبيعة السن وما يعكسه من تقلبات مزاجية، وعدم النضج العاطفي، والتخبط والبحث عن الذات، وما يفرضه من احتياج للسند النفسي والعاطفي في مجتمع لا ينصف الأنثى، خاصة اذا كانت ترى في أستاذها عنوانا للرزانة والأناقة والعلم وصورة الوالد المفقودة والضائعة في حالات عديدة، ومكمن الخطر في توهم الحب من طرف واحد، ويكون الفشل هو المصير المحتوم لهذا الزواج.

توائم

وفيما يتعلق بالأعمال السينمائية التي محورها تلميذة واستاذ الموسيقى حصرا، ورغم سذاجة الطرح لمعظم هذه الأعمال إلا أنها تعكس النقلة النوعية التي يحدثها الفنان والموسيقي القادم من الحواري الشعبية، بإحداثه للتغيير الإيجابي في أوساط الأغنياء التي ظلت معزولة ولسنوات عديدة عن البيئة الإجتماعية والسياسية المحيطة بها، وبعد ان كانت هذه الأوساط مغلقة بوجه أمثاله نظرا للتفاوت الطبقي الذي فرض نفسه ولسنوات عديدة، مايؤكد دور الفن بتحقيق هذا التوائم وكسر الحواجز بين الطبقتين لدرجة الوصول لحالة من الترابط الإجتماعي بشتى اشكاله سواء كان بالزواج أو العمل أوماتفرضه الحياة اليومية من علاقات بين أبناء الشعب الواحد مع اختلاف فئاته.

المدرس الجديد..

يبقى الملفت أن انجح هذه الأدوار التي علقت في ذهن المشاهدين تلك التي أداها تمثيلا استاذ موسيقى ومطرب في الحقيقة، كسعد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وكما سبق، على عكس شكري سرحان بفيلم التلميذة والأستاذ، وعبدالمنعم ابراهيم بفيلم ايامي السعيدة إذ لم يكن أداؤهما مقنعا في دور استاذ موسيقى رغم أهميتهما كممثلين بالعديد من الأفلام، وعلى الجانب الاّخر كان أداء عبد الحليم مقنعا أكثر خاصة أنه عاش هذا الموقف في الحقيقة بعد تخرجه وفي سن صغيرة من معهد الموسيقى أواخر الأربعينيات، وتم تعيينه بعدها مدرسا للموسيقى في مدرسة طنطا الإعدادية للبنات، وعن هذه الفترة ومن مذكراته التي سجلتها الناقدة الفنية ايزيس نظمي وأصدرتها في كتاب بعد وفاته، يروي حليم لحظة دخوله غرفة الصف في اليوم الأول، وكيف استقبلنه الفتيات بالضحك والسخرية نظرا لقصر قامته وضعف بنيته، وبقي صامتا حتى انتهت الفتيات من موجة الضحك، وبدأ بشرح الدرس مباشرة دون أي تعليق.

حضور

واستطاع بأسلوبه هذا وحضوره المؤثر أن ينال اعجاب تلميذاته، وحرصن بعدها على متابعة حصص هذا المدرس الجديد الذي أثار انتباه وإعجاب إدارة المدرسة أيضا.

أما الطريف في هذا الموضوع أن حليم كان يعاني من مشواره اليومي لطنطا لطول المسافة، ما أدى لوصوله متأخرا معظم الأيام، وعلى اثرها استدعاه وزير التربية والتعليم اّنذاك ليبلغه بقرار فصله، وقد اسعده هذا القرار الذي جعله يتفرغ للغناء تماما ما أهله ليصبح أشهر المطربين العرب، وبعد سنوات التقى حليم بهذا الوزير وذكره بالقصة، وأجابه الوزير السابق مداعبا :

«شفت انا خدمتك ازاي لما رفدتك !» .