لم يُحدّد النائب العام السوداني مَوعداً مُحدداً وهو يُعلِن مثول المشير المخلوع عمر البشير أمام المحكمة، الأسبوع المُقبل بتُهمتَيّ الثراء غير المشروع وحيازة النقد الأجنبي. وإذ تقترب الذكرى «الثلاثون» للإنقلاب الذي قاده الثنائي حسن الترابي والبشير، في الثلاثين من حزيران 1989، فإن مِن الحِكمة والرمزية لو اختار النائب العام يوم الاحد القريب (30 الجاري) كي يمثُل الجنرال، الذي قاد بلاده الى مربع الفشل وأوصل شعب السودان الطيِّب الى حال من الفقر والعوز وفقدان الأمل والحرية، وسط أجواء من الحروب المُفتعلة والتصفيات الجسدية وامتلاء الفضاء السوداني طوال العقود السوداء من حكم البشير، بـ«غُرَف الأشباح» عذب فيها جلاوزة النظام الفاسد احرار السودان وخيرة مناضليه. هؤلاء الذين لم ييأسوا رغم البطش والعَسفِ، ونجحوا في إطاحة الجنرال وإيداعه سجن كوبر سيء الصيت.

ما يثير الريبة في عدم جدية المحاكَمة، هي إشارة النائب العام السوداني الى ان الجنرال المخلوع سيُحاكَم بتُهم الفساد، وهي تهم إذا ما قيست بحجم الجرائم والارتكابات التي قارفها البشير وأعوانه (ومنهم في المجلس العسكري الانتقالي)، فإنها تبدو تُهما كاريكاتورية. إذ تعني ضمن أمور وقراءات اخرى، أن المخلوع كان سيحظى بتقاعد مريح، لو لم يجِد المُحقّقون في خزائن منزله، عشرات الاف اليورهات الأوروبية او كانت أرصدته البنكية وقيمة عقاراته عادِية, يمكن لاي «شخص» في موقعه التوفّر عليها. وبالتالي تبدو المحاكمة - إذا ما وعندما تَتِم - وكأنها صك براءة، على ارتكابات نظام أرهق السودان وقَسّمَه وأشعل في جنباته وعلى تُخومِه الحروب، والاقتتال على أُسس طائِفية ومَذهبية وعِرقية وواصَل «التنقّل» البهلواني بين مَحاوِر المنطقة ومُعسكراتِها، عارضاً خدماته وخصوصاً العسكرية منها لـ«الإيجار».

من العدل مُحاكَمة الجنرال المخلوع سِياسِيّاً، كي يعرِف السودانيون - كما العرب والافارقة - ومن سِجلاّت النظام وأرشيفه (إن وجد أصلاً)، حجم الجرائم السياسية والاقتصادية والهدر والفساد وسوء استخدام السلطة، لدى نظام مُتعصِّب، اتخذ من «الإسلاموية» نهجاً للتغطية على جرائمه وارتكاباته. وليس من العدل في شيء، أن تنتهي الأمور الى ما انتهت اليه حِقبة حسني مبارك واركان حكمه، عندما تم حصرها في مسائِل مَالية وعقارات.

kharroub@jpf.com.jo