ملك يوسف التل

ميزة الاستماع إلى الحاج حمدي الطباع في أوقات الأزمات، تتمثل في أن الرجل يمتلك خبرة ورؤية شمولية مع هدوء في الطبع.

حديث ابو حسن في تشخيص الراهن الوطني والقومي يستحق التمعن، فهو يتحدث من موقعه كرئيس لجمعية رجال الأعمال، وكمؤسس شريك لمنظومة رجال الأعمال العرب.

لد يه وضوح في البصيرة يجعله يعترف أن تحقيق شعار الاكتفاء الذاتي ليس سهلا، واننا أخطأنا في توسعة رقعة وأعباء أمانة عمان، وفي عدم تقدير أهمية استقرار التشريعات الاستثمارية والاقتصادية، مثلما قصرنا في ضبط مواعيد تنفيذ المشاريع وشراكة القطاعين العام والخاص في شبكة النقل.

في عيد الجلوس العشرين وذكرى تولي جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية، كيف تنظرون للإنجازات الاقتصادية؟.

خلال العقدين الماضيين وضع الملك عبد الله الثاني الشأن الاقتصادي في قمة أولوياته، كما وتركزت رؤياه على تعزيز البيئة الاستثمارية الأردنية وجذب الاستثمارات كأداة لتحقيق التنمية والإزدهار، حيث عمل على تحفيز روح الابداع والريادة وتشجيع إقامة شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص وتسويق المملكة تجاريا واستثماريا في المحافل الدولية.

الأردن ومنذ تسلم الملك عبدالله الثاني لسلطاته الدستورية حقق إنجازات اقتصادية كبيرة، حيث تم تأسيس المناطق التنموية المؤهلة في العديد من المحافظات والتوسع بإقامة المدن الصناعية والمناطق الحرة والخاصة وعلى رأسها منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.

كما وقد اهتم جلالته بإقامة مشروعات اقتصادية كبرى وفتح آفاقا جديدة للاستثمار في الأردن ضمن مناخ اقتصادي منفتح على العالم الخارجي، أيضا تم تعديل العديد من القوانين والتشريعات وتطويرها لتشجيع الاقتصاد الحر وإتاحة المساحة الكافية للقطاع الخاص لتصبح مساهمته أكثر فعالية. وسعى جلالته إلى تحقيق النمو المستدام لجميع القطاعات الاقتصادية بهدف تحقيق حياة أفضل لجميع المواطنين.

ما زلنا شبه مرتهنين للمساعدات الخارجية، بتقديركم لماذا لم نستطع أن نعطي للاستقلال الاقتصادي مفهومه الذي شدد عليه الملك عبدالله الثاني، وهو «الاعتماد على الذات»؟.

للاكتفاء الذاتي عدة جوانب، فقد يشار إليه على أنه اعتماد الدولة على نفسها في الإنتاج المحلي أكثر من اعتمادها على المستوردات، وقد يشار إليه على أنه اعتماد الدولة على الموارد المالية المحلية أكثر من اعتمادها على القروض والمساعدات الخارجية، وفي كلا الحالتين فإنه من المؤكد أن أي دولة تطمح للوصول إلى الإكتفاء الذاتي، ولكن عدم مقدرتنا على الوصول إلى تلك المرحلة يعود للعديد من الأسباب أبرزها تعرض الأردن إلى العديد من التحديات الخارجية والتي أثرت سلبا على أدائه الاقتصادي، حيث أثرت التحديات الجيوسياسية على حركة التبادل التجاري وقيدته.

ومن الجدير ذكره أن الأردن كاقتصاد صغير الحجم ومنفتح اقتصاديا يعتمد بشكل كبير على التجارة الخارجية وعلى الإستيراد وبالتالي لا يمتلك المقدرة كدولة نامية الاعتماد فقط على الصناعة المحلية لتلبية الطلب الإستهلاكي المحلي.

أما فيما يتعلق بالإعتماد الكبير على المساعدات الخارجية فذلك واقع لا يمكن إنكاره حيث الإيرادات المحلية من المصادر الضريبية وغيرها لا تكفي لتمويل النفقات الحكومية لذلك فإننا نعاني ومنذ زمن طويل من التراكم المتزايد في عجز الموازنة الأمر الذي أدى إلى تزايد المديونية، ولكي نعتمد على ذاتنا يجب أن تكون المصادر المحلية لتمويل النفقات الحكومية كافية لتغطية الإنفاق الحكومي بكافة أشكاله أو إيجاد طريقة لضبط النفقات العامة لتقليل اعتمادنا على المساعدات الخارجية وهو أمر في غاية التعقيد والصعوبة.

ماذا يعني لكم هذا الحديث عن «صفقة القرن»، وما أثارته من هواجس ومخاطر على الدولة واستقرار الاقتصاد الأردني؟

حتى الآن الأردن رسميا لم يطلع على صفقة القرن، وجمعية رجال الأعمال الأردنيين نقف خلف القيادة الهاشمية باللاءات الثلاث واعتقد أن صفقة القرن كما يرغب أن يسميها من أطلقها ميتة وسيبقى الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والقرار.

استراحة

ولد حمدي «محمد صبري» الطباع، في شباط 1936، وفق رواية والدته، على يد القابلة القانونية الحاجة أنيسة شقير، بعد أحد عشر عاما من قدوم أبيه إلى عمان.

أول بيت استأجره صبري الطباع في سوق أبو قاعود ديرانية مقابل المسجد الحسيني الكبير، نصف هذا البيت بنيّ من الطين حسبما تسعف به ذاكرة الحاج حمدي، ولم تكن هناك طرق، وحتى الكهرباء لا تصله إلّا لساعات معينة، قبل أن تنتقل الأسرة إلى بيت آخر في شارع خرفان في جبل عمان.

وتسعف الحاج حمدي الذاكرة في وصفه للبيت الذي عاش فيه بكنف والديّه مع أشقائه وشقيقاته فيقول:«كنا نعيش في بيت بسيط مكون من ثلاث غرف مع حمام واحد ومطبخ وساحة صغيرة، غرفة نوم لوالدي ووالدتي، وغرفة الجلوس ننام فيها ونتناول وجباتنا اليومية، أما الصالون فكان الوالد يستقبل فيه ضيوفه مساءً والوالدة تستقبل ضيوفها عصراً.

تعلمت شغل السنارة

عام 1942 وفي سن السادسة دخلتُ صف الروضة بمدرسة جريديني في الحي حيث نسكن، وفيها تعرفت لأول مرة على الأمير الحسين بن طلال وأضحت رفقة العمر.

بداية الروضة كانت بمجيء شقيقتين من القدس هما مارغو وأليس جريديني، أنشأتا مدرسة مختلطة، من أربعة صفوف، وملعب صغير. المدرسة قريبة من بيت الأمير طلال ومن بيتنا، وهي لأبناء الحي، كنتُ أذهب إليها مشيا بصحبة شقيقي بندر وشقيقتي منور، ومن تلاميذها زاملت فواز أبو جابر، بشار المفلح، كمال عصفور، محمد عصفور، تيسير ملحس وباسل المفتي، وكانت شقيقتي ليلى وشقيقة كمال عصفور معنا، ومعلمتنا «مس» مارغو، وأحيانا تأتي شقيقتها أليس التي تعمل في سلاح الجو في ماركا، بعد انتهاء دوامها إلى المدرسة لتعليمنا، وفيما بعد جاءت معلمات جدد، منهن نهلة القدسي، وإيميلي بشارات وإفلين قعوار، علمننا اللغة العربية والحساب والإنشاء والقليل من اللغة الإنجليزية، كما وتعلمنا في حصة الفن أشغال الصوف، وأذكر أنني تعلمت شغل السنارة.

رفقة العمر

عندما أعود لأكثر من سبعين عاما ونيف، أتذكر كل الصفات التي تشعرك بميزة الحسين، كل الصفات التي تمتع بها من حسن أدب وخلق وتربية وإسلوب راق في تعامله منذ صغره.

المرة الأولى مع الحسين بدأت في صف الروضة، ولهذه المرة قصة رائعة لا تفارق مخيلتي، عندما دخل طفل مع والده صفنا في يوم دراسي، وقلنا جاء حسين... لم نقل الأمير وجلس بجانبي، كان ذلك عام 1942، ومنذ ذاك العام إلى أن توفي رحمه الله ونحن معا، ندرس معا ونذهب معا ونلعب معا. واستمررنا معا حتى الصف الرابع الإبتدائي في مدرسة جريديني.

أتذكر أن ساحة المدرسة صخرية، كنا نلعب فيها ونتسابق، وكثيرا ما نصاب بجروح حيث الطريق من البيت إلى المدرسة صعبة ومتعرجة، خصوصا في منطقة الحاووز، وفي أيام الشتاء تغوص أحذيتنا في الطين، وما أن نصل بيت الأمير طلال وترانا الملكة زين بهذا الوضع الفوضوي، تقوم بتوبيخنا، ونحن ننظر إلى بعضنا البعض في حالة من الخوف والضحك على ما نحن عليه.

في الذاكرة عندما كنا نقف صفا واحداً لتتفقد معلمتنا نظافة أيدينا وقص أظافرنا شريطة ان يكون مع كل طالب منديل، ومن لا يحمله كنا نمرره له بصمت وعيوننا تراقب «المس» كي لا ترانا.

كطفلين، لم يكن بيني وبين الأمير حسين تفاصيل كثيرة لنتحدث بها، لكننا كنا نلهو ونلعب، وأصبحنا أصدقاء مقربين، وبرفقته بعد انتهاء دوامنا نذهب إلى بيت والده الأمير طلال، وكان الأمير محمد صغير السن، تستقبلنا الملكة زين الشرف، وبعد أن نتناول وجبة سريعة، وقبل اللعب كان يتوجب علينا مراجعة واجباتنا المدرسية، وفي أحيان كثيرة نلقى إهتماما باشراف الملكة زين على تسميع دروسنا، ثم تسمح لنا بأن نلعب كرة قدم لوقت محدد في الحديقة، وأحيانا يشاركنا اللعب الأمير محمد.

في بعض الأحيان كنت أقضي معظم وقتي في منزلهم، الذي يخلو من الحرس، وتحيط به حديقة واسعة... بيت بسيط بمستوى حياة الشعب وكان مفتوحا للجميع.

في ذاكرتي أيضا زيارة الحاج معزوز المصري لبيتنا قادما من نابلس، ولدى وصوله استقبله والدي ومعه دراجة هوائية، فأخبره بأنها لي، فشعرت بفرح، أعجبتني كثيراً فركبتها فورا إلى بيت الأمير حسين، وأخبرته أن هذه الدراجة لي ولك لنلعب بها، فرح وابتسامته تملأ وجنتيه... ركبناها وتجولنا في باحة منزلهم ونحن نتبادل المكان على الدراجة في كل جولتين أو أكثر.

قلت للأمير ونحن ندور في ساحة منزلهم، سنركبها أيضا في ذهابنا إلى المدرسة. وفي بعض الأيام ونحن في الكلية العلمية الإسلامية كنا نركب ثلاثة على الدراجة الهوائية، أنا والأمير حسين وزميلنا عبدالرزاق أبو قورة عندما نمر من أمام بيته في طريقنا إلى الكلية الإسلامية، أحيانا يأتي الأمير طلال ويأخذنا من المدرسة، وأحيانا أخرى يرسل سائقه ليحضر الأميرين حسين ومحمد فأركب معهما، وأحيانا أرجع سيراً على الأقدام.

مدرسة المطران

أنهينا مرحلة الروضة وانتقلت إلى مدرسة المطران لمدة سنة مع الأمير حسين، ولدخولي المطران قصة أعتبرها الآن رجولية في مثل سننا من ابن خالي مأمون في ذاك الزمن.

صادفته في طريقي إلى المدرسة كالعادة، في هذه المرة طلب مني مرافقته إلى مدرسة المطران فأطعته دون أن أعرف السبب فبدأ يشرحه لي في الطريق، ففهمت مدى رغبته بأن أكون أحد طلبة المطران، دخلنا معا غرفة المدير وهو بريطاني الجنسية واستأذنه مأمون قائلا: هذا حمدي ابن عمتي، ويريد متابعة دراسته في المطران.

حصل ذلك في منتصف الفصل الدراسي، وافق المدير ودخلت الصف الرابع الابتدائي، زاملت في المطران زيد الرفاعي وفواز الخريشة ومحمد عصفور وهراتس اتمازيان وكان الأمير حسين قد سبقني إليها، ومن أساتذتنا الريحاني وسهاونة ومديرها جريس سامي هلسة.

الكلية العلمية الإسلامية

بعد سنة دراسية في المطران تم افتتاح الكلية العلمية الإسلامية، وكنت والأمير حسين من تلاميذها في عام 1948 مع 120 طالبا، حيث بدأتُ الدراسة فيها من الصف الخامس الابتدائي، لغاية الصف الثاني الثانوي.

في الكلية الإسلامية بقيت والحسين، والأمير محمد حتى الصف الثاني الثانوي، ومعنا من الزملاء فواز شرف، وشقيقه عبد الحميد، مروان بشناق، عبدالرحيم ملحس، عبدالرزاق أبو قورة، محمد السقاف، محمد صالح الحوراني، مروان أبو زهرة، وائل النابلسي، نائل ملحس، ممدوح عبد الجواد وعبد الإله ديرانية.