على خلاف منطق الهجمات السابقة التي شهدتها منطقة الخليج العربي في ظل تصاعد التوتر بين أميركا وحلفائها وإيران، فإن الهجمات على ناقلتي النفط الأخيرة التي وقعت في خليج عُمان واستهدفت ناقلتي نفط نرويجية ويابانية في 13 يونيو الجاري تبدو مختلفة في منطقها وأهدافها، بحيث تتكافأ الأدلة حول الجهة المنفذة، فقد جاءت الهجمات في وقت كان رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي في طهران يستعد لأول لقاء لزعيم ياباني مع المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي للتوسط في نزع فتيل التصعيد بين أميركا وإيران.

خلال فترة وجيزة سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها باتهام إيران بالمسؤولية عن الهجمات، حيث خرج وزير الخارجية الأميركي بومبيو متهما إيران بالمسؤولية عن الحادث، ثم غرّد الرئيس الأميركي مكررا موقف وزير خارجيته، ولاحقا أصدرت القيادة الوسطى بيانا إتهمت فيه إيران ولكنه أشارت إلى أنها لا تريد التورط في حرب في المنطقة وأنها ستدافع عن مصالحها لكن لا تريد الدخول في حرب مع إيران لأن هذا ليس في صالح الولايات المتحدة والعالم، وفي المقابل نفت إيران رسميا أي تورط لها في الحادثة.

تبدو حجج الطرفين متكافئة في اتهام الطرف الآخر، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على بقية الأطراف الدولية والإقليمية، فضلا عن الخبراء والمحللين، ففي واشنطن تفاوتت الآراء تجاه احتمال مسؤولية إيران عن الهجمات حيث شكك مسؤولون سابقون وخبراء في تلك الاتهامات، فقد عبر المسؤول السابق في وزارة الخارجية آرون ديفد ميللر في تغريدة عن الشكوك بشأن اتهام إيران قائلا «لماذا تريد إيران أن تهاجم ناقلة يابانية أثناء وجود رئيس وزرائها شينزو آبي في طهران؟ هل تريد أن تفشل مساعيه للوساطة أو أنها تسعى لإظهار أهمية هذه الوساطة؟»، وانتقد بن رودس مستشار الرئيس السابق باراك أوباما «تسرع» بومبيو باتهام إيران، وقال «بلا شك هذا النوع من الهجمات يستدعي تحقيقا دوليا لمعرفة تفاصيل ما جرى بدلا من التصعيد».

على الطرف المقابل كرر حلفاء ترمب الاتهامات لطهران، فرأى الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات مارك دوبوفيتز أن مهاجمة الناقلة اليابانية أثناء سعي رئيس الوزراء الياباني للوساطة تعكس بوضوح موقف النظام الإيراني الذي تبنى نهج نظام كوريا الشمالية في العدوانية الشديدة والتصعيد الخطير، حسب قوله، وقال الباحث في معهد «هادسون» مايكل بريجنت في تغريدة «بعدما نجحت طهران في تنفيذ هجمات في خليج عمان يصبح الحرس الثوري الإيراني هدفا مشروعا».

الانقسام الأميركي كان واضحا في الصحف الأميركية الكبرى، حيث شككت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية بضلوع ايران في تفجيرات خليج عُمان، وربطت الصحيفة في تقرير لها الأمر، بخدعة قام بها ليندون جونسون عام 1964 تُعرف باسم «خليج تونكين»، لحث الكونجرس على زيادة التدخل العسكري في فيتنام، وذلك في تقريرللصحيفة بعنوان «هل الهجوم على ناقلة النفط العمانية هو أمر مشابه لحادثة خليج تونكين؟»، وقالت إن قواعد بيانات الإنترنت تؤكد الكثير عن الحادث، لكن إدارة ترمب لم تقدم أدلة مقنعة على ذنب إيران، وأشارت إلى تصريحات وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الذي قال:إن مقطع فيديو نشرته الولايات المتحدة لا يكفي لإثبات أن إيران تقف وراء الهجوم على ناقلتي نفط في خليج عمان.

من جهة أخرى رأت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أن الهجمات التي استهدفت ناقلات النفط، في خليج عُمان، هي نتيجة متوقعة للسياسة الأميركية تجاه إيران وفرض العقوبات الاقتصادية عليها، مشيرة إلى أن هذه الهجمات وغيرها «هي من فعل النظام الإيراني بكل تأكيد»، وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، توغل عميقاً في الموضوع الإيراني، وها هو اليوم يجد نفسه «محشوراً في الزاوية» عقب الهجمات الأخيرة في خليج عمان، وأضافت: «على الرغم من تأكيداته (ترمب) المتواصلة بأنه ضد مشاركة الولايات المتحدة بأي حرب في الشرق الأوسط، وأنه لا يريد حرباً مع إيران، فإنه اتخذ سلسلة إجراءات استفزازية تجاه إيران قادت للنتيجة التي شاهدها العالم، الخميس الماضي؛ باستهداف ناقلات النفط وما قد يقوده ذلك من تصعيد يصل إلى صراع مسلح»، ورأت الصحيفة أن «إيران مسؤولة عن العدوان في جميع أنحاء الشرق الأوسط، والذي يجب على الولايات المتحدة أن تتصدى له، لكن هجمات السفن كانت النتيجة المتوقعة لحملة ترمب لتطبيق أقصى ضغط على إيران دون أي دبلوماسية مصاحبة».

لا شك أن هجمات خليج عمان مختلفة عن منطق الهجمات السابقة التي وقعت خلال الأسابيع القليلة الماضية، التي تقع ضمن حدود ومنطق المواجهة الأميركية الإيرانية، والتي جاءت في إطار الردّ الإيراني على تصعيد حملة «الضغوط القصوى» التي تنتهجها إدارة ترمب على شكل اختبار حدود جدية الإرادة الأميركية لخوض الحرب، حيث جاء الرد الإيراني عبر أذرعها الخارجية من خلال إطلاق سلسلة من العمليات وتنفيذ هجمات بالوكالة، ورغم تنامي حدة النزاع كان لا يزال احتمال اندلاع نزاع واسع النطاق مستبعداً نظراً إلى إحجام الطرفين عن التصعيد، رغم قيام الولايات المتحدة بإرسال المزيد من القوات إلى المنطقة وتصاعد التوترات، ومن المثير للاهتمام أن يكون ترمب وخامنئي قد عملا على وقف التوجّه نحو نزاع مباشر، فقد أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه لا يريد حرباً، كما قال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي إن «أياً منا لا يسعى إلى حرب»، ومع ذلك، قد يزيد الإيرانيون بشكل معقول من نشاطهم غير المتناظر لأنه من الصعب نَسْبْ هذه الأفعال إلى طهران

حدود ومنطق الرد الإيراني رغم نفيها أي مسؤولية مباشرة جاء عبر سلسلة من العمليات والهجمات الاختبارية الإيرانية عن طريق وكلائها في المنطقة وخصوصا جماعة أنصار الله الحوثية اليمنية، والتي باتت تتفوق على حزب الله اللبناني في إطار اللعبة الاستراتيجية الإيرانية، والتي شنت هجمات متنوعة على أهداف سعودية وإماراتية، كان آخرها الهجوم على مطار مدني بجنوب السعودية في 12 يونيو الماضي، وأسفر عن إصابة 26 شخصاً، وكانت قناة «المسيرة» الفضائية التي يديرها الحوثيون قد ذكرت أن جماعة الحوثي شنت هجوماً بصاروخ كروز على مطار أبها، الذي يبعد نحو 200 كيلومتر شمالي الحدود مع اليمن ويخدم رحلات داخلية وإقليمية.

بدأت سلسلة الهجمات الحوثية في 12 مايو 2019، عندما أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان، أن 4 سفن شحن تجارية من عدة جنسيات، تعرضت لعمليات تخريبية قرب مياهها الإقليمية، قبالة ميناء الفجيرة البحري، وعقب الإعلان أكدت الرياض تعرّض ناقلتين سعوديتين لهجوم تخريبي، وهما في طريقهما لعبور الخليج العربي قرب المياه الإقليمية للإمارات، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات، لكن مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون قال لاحقا في 29 مايو 2019، إن الهجمات على ناقلات النفط تمت باستخدام «ألغام بحرية من إيران بشكل شبه مؤكد»، وبعد حادثة الفجيرة بيومين قالت قناة المسيرة التلفزيونية التي تديرها جماعة أنصار الله الحوثية اليمنية في 14 مايو 2019 إن الجماعة نفذت هجمات بطائرات مسيرة على منشآت سعودية حيوية، حيث تم استهداف منشآت لأرامكو في السعودية بواسطة 7 طائرات مسيّرة.

خلاصة القول أن الهجمات على ناقلتي النفط الأخيرة التي وقعت في خليج عُمان تبدو مختلفة في منطقها وأهدافها، بحيث تتكافأ الأدلة حول الجهة المنفذة، وهي تختلف عن منطق المواجهة بين أميركا وإيران، وتبدو الإدارة الأميركيية عاجزة عن تحقيق إجماع داخلي لتبرير الحرب ضد إيران، كما أنها عاجزة أكثرفي تجنيد حلفاء أوروبيين باستثناء بريطانيا وحلفاء إقليميين باستثناء السعودية والإمارات وإسرائيل، للانضمام إليها في مواجهة إيران عقب هجمات السفن، وذلك بعد الانسحاب الأحادي غير المبرر من الصفقة النووية مع طهران التي أبرمتها إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، ورغم كل الاختلافات في منطق الهجمات، ففي ظل إدارة ترمب المتطرفة لا شيء يبدو منطقيا في مسارات الحرب والسلم، فمنطق رأسمالية الحرب والكوارث هي من تحكم الصراعات لا غير.