عمّان - أحمد الطراونة

«أيَّتها الهوادجُ

أيَّتها الهوادجُ

يا أجراسَ الصحراء

من هنا مرّ الأردنيونَ حُفاةَ السيوفِ والأقدامِ

في أرواحهم يقدحُ حجرُ الصوّانِ

وفي لحاهم المغبرّةِ تعوي الذئابُ».

قرعت الأجراس يوم أول من أمس حين اجتمع حفاة السيوف من ضفتي النهر اليابس لينقشوا على وجه الصحراء وصوّانها المغبر قصيدة وفاء لشاعر جرّ بدوية الصحراء إلى أقصى اليسار، وغطّى وجه المدينة بحداثة البادية.

البدوي الذي غرس في ضباب المدن خنجره فاستحال غيمة من الإبداع تمطر في أجيال من الشعراء سرَّ التمرّد والانفلات من دوائر القداسة، يخوض اليوم معركة أخرى برصاص الصبر والمحبة التي أحاطته، حين توسّد قلوب محبيه في لحظة مختلفة عما هو مألوف في ملتقيات التكريم.

يحيى النميري النعيمات المعروف باسم «أمجد ناصر»، المولود في الطرّة في أقاصي البادية الأردنية، ما يزال رغم ما يظهر من حداثة، بدوياً يستدلّ بالنجوم، فهو الذي يرى أن فلسطين نجمة الأمة، وما إن تضيع النجمة تفقد الأمة اتجاهاتها.

أمجد ناصر الذي ضاع في تفاصيل المرض شكلاً، لم تضيّع ملامح قلبه كلّ الأوجاع، فهو ما يزال يقبض على فلسطين باستماتة عزّ نظيرها، فحين طُلب منه أن يقول كلمة في حفل تكريمه الذي أقيم في فندق الميلينوم وسط حضور واسع من المثقفين الأردنيين والفلسطينيين، لم يجد في جعبته الوجدانية إلا فلسطين، ليؤكد قائلاً: «الخيار الفلسطيني لا يشبه إلا فلسطين نفسها، وكان خيارنا نحن، وفلسطين كانت في نسيج حياتنا بكل الأشكال، ولم نختصرها بالسياسة فقط.. فلسطين لنا هي النجمة الهادية»، متسائلاً: «لماذا نحن الآن لسنا على ما يرام، نتخبط في البحث عن وجهتنا؟»، ومجيباً عن سؤاله: «لأننا لم نعد نرى هذه النجمة.. ولأننا من أبناء القبائل نهتدي بالنجم، فإن بوصلتنا فلسطين هي نجمتنا وهي نجمة المقاومة العربية، ففلسطين هي نجمتنا الأولى والأخيرة وستعود إلى سمائنا».

وبلغة تنزف ألماً تابع أمجد ناصر: «أحبكم جميعاً، وجميعنا نحب فلسطين من البحر إلى النهر، وأرى أن المقاومة مطلوبة في كل العواصم العربية، لأن كل هذه العواصم مستهدفة، ولا بد أن نعيد قراءة الكتاب الكبير أو رواية فلسطين، وأتمنى أن نقرأها جميعا، فرواية فلسطين هي رواية وقصة أبطال موجودين هنا، وفي هذا العالم، وهذه الحلقة الرائعة من الأصدقاء التي تجتمع اليوم تحت عنوان أمجد ناصر، تجتمع احتفاء بالمحبة والصداقة والأخوة».

الحفل الذي نظمه مركز القدس للدراسات، أداره مدير المركز عريب الرنتاوي، مؤكداً أن هذا الحفل «هو بطاقة محبة لقلم متمرد وشاعر مبدع، لجهده الموصول الذي جعل حياتنا أكثر محبة ومفرداتنا أكثر جمالاً وخفة». وخاطب أمجد ناصر قائلاً: «هو استفتاء كبير من أصدقائك الذين معك في محنة مرضك، وأنهم متأكدون أنك ستنهض من جديد، وأنك ستخبط بجناحيك الأرض وتعود للتحليق من جديد».

تكريم يختصر الوطن الذي يحتفي بمبدعيه

وزير الثقافة ووزير الشباب د.محمد أبو رمان ارتجل كلمة أكد فيها أن هذه الأمسية هي أمسية فرح واعتزاز بما أنجزه المبدع الكبير أمجد ناصر. وقال: «إذا أراد أمجد أن يعرف قيمته الإبداعية والشعرية، فلينظر حوله إلى هذا الجمع الكبير من الأدباء والفنانين والمثقفين من الأردن وفلسطين».

وأضاف أبو رمان: «هذا الحفل جاء لدعم أمجد وتكريمه، خاصة وأن التكريم مرتبط بما قدمه أمجد للثقافة من شعر وقصة ورواية وإعلام. وكل هذا المنجز الإبداعي الكبير وكل هذا الحضور يعرف جيداً ما قدمه أمجد ناصر في المجالات المختلفة، وما قدمه أمجد الإنسان».

وتابع أبو رمان بقوله: «ما يحدث في هذه الأمسية يختصر الأردن، الوطن الذي يقدّر ويحتفي بالمبدع أيّا كانت توجهه السياسية.. نتحدث عن المبدع الذي يجب أن نقف إلى جانبه كما وقف إلى جانبنا في جميع المواقف الإنسانية والسياسية والمصيرية». وختم كلمته بالاقتراح على رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين أن يكون أمجد ناصر هو الشخصية الثقافية لمعرض عمّان للكتاب 2019.

من جانبه، قال وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف الذي حضر من فلسطين حاملاً وسام الإبداع والثقافة والفنون من الرئيس الفلسطيني لتقليده للشاعر أمجد ناصر: «نقف اليوم أمام قامة إبداعية عربية.. نذر نفسه وحياته وإبداعه لفلسطين وقضيتها العادلة، وقف إلى جانب الشعب الفلسطيني. نقول له اليوم باسم فلسطين: شكراً لك على ما قدمت لها، حين عشت المنفى من أجلها، ونقول لك إن أهلك في فلسطين يحبونك ويقدّرون كل ما قدمت، وإنك تستحق التكريم كما هي فلسطين».

بدورها، قالت وزيرة الإعلام جمانة غنيمات: «إن من يرى هذا الحضور وهذا الجمع الكبير من المبدعين يعرف من هو أمجد ناصر، وكم قدم للفن والإبداع، وقد كان قامة أردنية عربية فلسطينية تدافع عن الحق أينما وُجد». وخاطبت الشاعر بالقول: «ستبقى رمزاً بيننا بمقالاتك وإبداعاتك، اليوم كل هؤلاء يقولون لك شكراً، حيث قدمت لنا نموذجاً للإعلامي الفذ والشاعر المتفرد، ونحن معك في معركتك».

وشارك في إدارة الحفل الشاعر زهير أبو شايب، الذي أكد في تقديمه للمتحدثين، أن أمجد ناصر لفت الأنظارَ كما لم يفعل غيره إلى خصوبة الساحة الشعرية الأردنية من خلال ما قدم من نتاجات مهمة في الشعر والرواية وأدب السيرة، ومن خلال مسيرته الفاعلة ثقافياً وإعلامياً على الساحة العربية.

وأضاف أبو شايب أن الفرادة تأتي من خلال ما قدم ناصر من إضافة نوعية لهذا المشهد الشعري ليس الأردني فحسب، وإنما العربي، وأن يكون أحد أبرز شعراء الحداثة العرب وأحد أهم الباحثين المجددين للخطاب الحداثي ومقترحاته التعبيرية. وتابع بقوله: «إننا نحتفي بشاعر مغامر كسر إطار محليته ليس لينفصل عنها، وإنما ليوسعها ويجعلها قادرة على استيعاب الفضاءين العربي والإنساني وما يفيض عنهما من رؤى جديدة على الساحة الأردنية، ونحتفي من خلال أمجد بجيل السبعينات الذي كان كحقل بهيج واستمر إلى هذه اللحظة مندمجاً بالسؤال الفلسطيني والأردني ويفيض بالحداثة».

أعلن حضور روحك التي لم يُصِبْ حريتَها أيُّ داء

وقدم الروائي إلياس فركوح شهادة، أشار فيها إلى عمق ورصانة وصدق ما قدمه أمجد ناصر من شعر ونثر.

وقال فركوح: «كنتَ وما زلتَ على العهد، لا تكْذب أهلك مهما تلوّنت وجوههم، ولا تتعبك نزاهتك وإنجازاتك، ولا تعوزك صراحة الموقف الواضح في زمن اعتكار الرؤية عن قصدٍ أو عن عمى.. والآن وهنا وفي هذا الراهن المقبوض عليه وأنت داخله حاضراً كلّيّ الحضور، دعني أقول لك: ما جئت به لمحاً في كتابك (فرصه ثانية): (العزلة ليست وصفة جاهزة للاستشفاء) أوافقك فيه تماماً، وأراهن على كسرك العزلة وإعلان الحضور لروحك التي لم يُصِبْ حريتَها أيّ داء».

من جانبه، استذكر الكاتب رشاد أبو شاور تجربته في صفوف المقاومة مع الشاعر أمجد ناصر في بيروت الثمانينات، وقال: «اجتمعت العديد من الوجوه، وكان أمجد الحالة الشعرية النادرة القادمة من الصحراء الأردنية الوثابة، وكان من القلائل الذين ارتقوا بقصيدة النثر ليُعترف بها شعراً، وهو الذي تمكن في (القدس العربي) ومن خلال صفحة الثقافة أن يوحّد بين المشرق والمغرب وعرّف الشعراء بعضهم ببعض».

وزاد أبو شاور: «أمجد حالة ثقافية عربية نحتفي بها اليوم نيابة عن المثقفين العرب، وعندما أراه أرى الشعب الأردني كله مدافعاً عن ثرى فلسطين، لأن فلسطين ليست لمن وُلدوا فيها وإنما هي لمن تولَد فيهم كل يوم».

أما الشاعر غسان زقطان فقد رأى في أمجد ناصر أباً شعرياً، وقال: «عندما سُئلت عن آبائي الشعريين لم أذهب بعيداً ولم أرجع إلى الوراء لأنبش أوراق الرواد لأختار أباً يمنحني شرعية ما، وإنما نظرت إلى الكتف التي تشدّ كتفي، نظرت إلى أمجد ناصر؛ أمجد الذي جاء من المفرق وجئت أنا من مخيم لاجئين، أحمل في ذاكرتي مشهد معلبات الإغاثة، ويحمل في ذاكرته معلبات الجيش التي تصل إلى مطابخ الأردنيين الفقراء أيام الخميس، وبدأتْ صداقتنا التي كانت تتعمق كلما قرأت نصاً جديداً له».

وتسلل وزير الثقافة الأسبق الشاعر جريس سماوي، إلى روح أمجد ناصر الشعرية حين قال: «ثمة اشتعال يسري في اللغة ويصعد خفيفاً كالدخان بين الكلمات محتفلاً بخفة الشعر وطيران الأحلام، يحدث ذلك عندما تقرأ أمجد ناصر يراوغك بالكلام العادي الطري الندي ليجرّك إلى غواية المجاز العالي، لكأنه يصعد بالمعنى إلى مرتقى الحلم ليبني هناك القصائد».

وأضاف سماوي: «أمجد يحتفي بالرعاة وناياتهم داخل القصيدة، يحتفي بالفلاحين الذين يخرجون من الهوامش إلى المتن، والبدو الذين يرفعون صرخات التمرد على الإقطاع وسفر برلك قرب سكة الحديد».

وأشار سماوي، الذي تولى إدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون، إلى تجربة ناصر مع المهرجان قائلاً: «كان الفتى النحيل ذو الشعر الأسود الطويل في أروقة رابطة الكتاب الأردنيين يقرأ الشعر، وفي جرش كان عضواً غير رسمي في إدارة المهرجان إذا صح لي أن أقول ذلك، كان مستشاراً للشعر العالمي ولحلقة النقد في أروقه المهرجان وعضواً لدورات عدة في لجنة الشعر ومشاركاً دائماً فيها، وكان المهرجان حينها بيت المثقفين العرب والنافذة التي تتيح العودة للممنوعين من دخول البلاد بسبب فترة الأحكام العرفية، وكان أمجد (معزّب) الضيوف الأجانب والعرب».

الثائر المتمرد الذي يخاصم الخليل

وأكد الكاتب والإعلامي معن بياري أن أمجد ناصر كان يمضي بكتاباته دوماً إلى رهانات مغامرة في الشكل والمضمون، لا تستسلم للكتابة المستقرة والمقروءة قبلاً، وأنها مضت في بحثها عن التجدد إلى منزلة متطرفة.

وأضاف: «ظل أمجد يتعامل مع الكتابة بوصفها طاقة عمل وجهد، وشغلاً جدياً.. وكل هذه الرحابة في معجم أمجد الذي يطوع المفردات العتيقة، والمفردات التي يخطفها من الصحارى، واحتشادها بالرعاة، والأوابد، والرمال، والسيوف، كانت تخرج صقيلة، بارعة في مناوراتها وألعابها وانتقالاتها من مزاج إلى مزاج، ومن مكان إلى مكان».

وأوضح البياري أن ثمة جنوحاً كثيراً في شغل أمجد ناصر إلى الإفادة من القديم، وهو الحداثي الذي ما راهن يوماً على حداثة مصنوعة، مسروقة، مغتربة، وغريبة. وتابع قائلاً: «أمجد ناصر واحد من الناثرين العرب الكبار عن الصحراء، هو الذي يعرف لندن مثلما يعرف راحة كفّه».

وخاطب الشاعر د.حكمت النوايسة صديقَه الشاعرَ بصدق قال: «إن بلاغة الشاعر تصبح عرجاء تماماً عندما يحتفي بشاعر مثله، وتتنسم هذه الرعوية البرية التي أطلقت سهامها على القصيدة العربية تتلمس لها مدخلاً في زحام الزائرات من جنّيات الشعر وربذاته».

وتساءل النوايسة: «أيها العربي البدوي النقي الحر النبيل، كيف لك أن تكون كل هذا وأنت الثائر المتمرد الذي يخاصم الخليل؟». وتابع بقوله: «أيها الحبيب، نحتفي بك اليوم، وإن تأخر الاحتفاء فنحن قرّاؤك نحتفي بك كل يوم، فالشاعر في حروفه، ونحن في تلك الحروف التي تطلقها علينا مشبعة بكل ما هو جميل جديد وجارح».

شخصية العام الثقافية لمعرض عمّان للكتاب

من جانبه، أعلن رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين الناشر فتحي البس، أن الشاعر أمجد ناصر سيكون شخصية العام الثقافية لمعرض عمّان الدولي للكتاب للعام 2019.

وخاطب البس ناصر قائلاً: «عرفناك في عزّ الشباب محلّقاً في سماء المقاومة ونجماً عالياً في سماء الإبداع، تشاركنا في حب الأردن وتشاركنا في حب فلسطين».

تكريم المثقف والمناضل

وكرّم وزير الثقافة ووزير الشباب محمد أبو رمان الشاعرَ أمجد ناصر بتسليمه درع وزارة الثقافة، بينما قدم وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف وسامَ الرئيس الفلسطيني محمود عباس للشاعر أمجد ناصر. وتلا رئيس اتحاد الأدباء الفلسطينيين مراد السوداني بيان الرئاسة الفلسطينية الموقّع من الرئيس الفلسطيني والذي تقرّر من خلاله منح الشاعر أمجد ناصر وسام الإبداع والثقافة والفنون من قِبل الرئيس الفلسطيني تقديراً لسيرته ومسيرته الأدبية في مجالات الشعر والكتابة والصحافة، وتثميناً لدوره النضالي في صفوف الحركة الأدبية الوطنية لنصرة القضية الفلسطينية ودعم قضايا أمته العربية.

وفي ختام الحفل، وقّع ناصر ديوانه الجديد «مملكة آدم» للجمهور.

.. و«التجديد» تعلن جائزة أمجد ناصر للشعراء الشباب

عمان - الراي

أعلنت جمعية التجديد للثقافة والإعلام عن بدء استقبال طلبات الترشّح لجائزة (التجديد للشعراء الشباب/دورة الشاعر أمجد ناصر 2019م) للشعر العربي الفصيح. حيث ارتأت ادارة الجائرة أن تطلق اسم الشاعر أمجد ناصر على دورتها الأولى تكريما له من قبل الجمعية واعتزازا بحضوره الشعري الفارق على الساحتين الشعرية والإعلامية الاردنية والعربية. وتهدف الجائزة إلى التعريف بالمنجز الشعري الشبابي الأردني، وتحفيز الشعراء والشاعرات الشباب على استدامة الكتابة الإبداعية،

وبحسب الشروط العامة للجائزة فإن المشاركة مفتوحة للشعراء الأردنيين من الجنسين تحت سن الأربعين عاما، (مواليد 31/12/1979م فما بعد)، بحيث تكون المشاركة بثلاث قصائد شعرية باللغة العربية الفصيحة (عمود، تفعيلة، نثر) لم يسبق نشرها في أية وسيلة إعلامية مكتوبة أو مرئية أو مسموعة، ولم تفز من قبل بجوائز شعرية مشابهة. ويكون آخر موعد لتلقي المشاركات نهاية يوم 31/12/2019م.

وخصصت اللجنة العليا للجائزة في جمعية التجديد مكافأة مالية للجائزة.

تُعلن النتائج ويكرم الفائزون في الحفل الختامي لـ (أماسي عمان الشعرية) التي تنظمها جمعية التجديد للثقافة والإعلام في عمان كل عام.

ودعت الجمعية الشعراء والشاعرات الراغبين بالمشاركة إلى تعبئة نموذج الترشيح وإرفاق القصائد على موقع جمعية التجديد للثقافة والإعلام: www.altajdeed.net

يذكر أن جمعية التجديد للثقافة والإعلام جمعية أردنية مسجلة لدى سجل الجمعيات الأردني وتتبع وزارة الثقافة، مقرها عمان ونطاق عملها الجغرافي المملكة الأردنية الهاشمية، غاياتها إقامة الأنشطة الثقافية والإعلامية، وتنظيم الجوائز الأدبية والإعلامية، والإشراف على المجلة الثقافية ودار النشر والتوزيع والإذاعة الثقافية التابعة للجمعية.