ليس تشاؤماً، ولا استمراء للشكوى، ولكنه إحساس قاتل يلاحقنا... إحساس بأن حكوماتنا تضعنا في صورة وكأننا نبدأ من الصفر مع كل حكومة جديدة.

فالحكومات المتعاقبة تتحدث كل واحدة منها عن وعود بتجاوز الأزمة الاقتصادية، و«خروج مبرمج من عنق الزجاجة»، وتحثنا على الصبر وتؤكد لنا أن «الكثير قد فات»، ولم يبق سوى القليل، ويتحدث البعض من أعضاء تلك الحكومات عن أننا أصبحنا في «العشر الأواخر»، وأننا اقتربنا من «العيد».

ويقوم بعض الوزراء بتوجيه نقد ـ ضمني أو صريح لمن سبقهم، ويجرون بعض التغييرات في وزاراتهم، مع التركيز على التغييرات الإدارية، وتبدأ الأدوات الإعلامية في الوزارة بالحديث عن إنجازات وعن خطط وبرامج وعن توقعات باجتياز الأزمة. وعن مؤشرات تبشر بالخير، وعن بدايات لـ«موسم القطاف».

وما هي إلا مسألة وقت حتى نكتشف الحقيقة، إما من خلال فريق وزاري جديد، أو من خلال الإحساس بأن الأزمة ما زالت تتعمق.

لنتوقف هنا عند الاستثمار، وما سمعنا عن بيئة جاذبة هيأتها الحكومات على مدى سنوات العقد الأخير، ولنقارن تصريحات المعنيين في كل حكومة. فالعنوان الرئيس يتمثل بأن كل حكومة تبني على ما أسست له سابقتها. بينما في التفاصيل هناك شيء مختلف.

ولنتوقف أيضا عند مشكلة البطالة، فقد قدمت إحدى الحكومات معلومات عن إنجازات يصفها أحد الظرفاء بأنها جعلتنا «نشفق على البطالة» من كثرة فرص العمل التي أحدثتها، وقيامها بتشغيل آلاف الباحثين عن عمل، لتكشف الحكومة التي أعقبتها أن تلك المعلومات ليست حقيقية، وأن غالبية ما تم الإعلان عنه من إنجازات في مجال التشغيل ما هو إلا سراب.

ولم تتوقف تلك الحالة على ما ينتج عن التغييرات الوزارية من ضجيج يفضي إلى ذات النتيجة، بل طالت التعديلات أيضاً.

ولم يكن قطاع البلديات أو حتى قطاع الصحة بعيداً عن تلك الحالة، فما حدث لتغيير اسم وشكل ومضمون وزارة البلديات يعطي انطباعا ببدايات جديدة. ومثل ذلك ما حدث في قطاع الصحة وتحديدا ملف الدواء وأسعاره، وأطباء الاختصاص وغيرها من الملفات. على مستوى الشارع يتم تداول تلك الحالات وربطها تاريخيا من زاوية أن بعض المسؤولين يحاولون تقديم أنفسهم وكأنهم يبدأون من نقطة الصفر. وهي قضية سلبية في الكثير من عناصرها، لكنها تنطوي على إيجابيات عديدة أبرزها أنها تكشف عمق المشكلة، وتبين أن الكثير مما تعلنه الحكومات عن إنجازات ليس حقيقياً. وأنه نوع من الاستعراض فقط.

وفي الوقت نفسه هناك قناعة بأن تلك الحالة تجاوزت إطار الإحساس، وتحولت إلى حقيقة على الأرض. فهل من حكومة تبعدنا عن تلك الصورة، وتتعامل مع الشارع بمنتهى الصراحة والوضوح، دون أن تنحاز إلى إنجازاتها الوهمية؟.

وهل من حكومة تعالجنا من تلك الحالة؟ ومن ذلك الإحساس القاتل؟

Ahmad.h.alhusban@gmail.com