أبواب - نداء الشناق

«أرغب بالجلوس لوحدي، لا أريد رؤية أحد»، عبارات كثيرة مرادفة لما سبق تتردد كثيرا على لسان آخرين من كافة الأعمار، دون إدراك مخاطر هذه الكلمات على الفرد والمجتمع، التي تعكس حالة نفسية تسمى «العزلة الاجتماعية»، وتشكل خطورة إذا أصبحت عادة مستمرة، لذلك فلا بد من التغلب عليها خشية أن تتحول إلى دوامة نفسية خطيرة يصعب الخروج منها قبل فوات الآوان.

تعتبر العزلة الاجتماعية من أشد أنواع الأمراض النفسية قساوة على صاحبها، فالرغبة في الابتعاد عن مجالسة الآخرين والتفاعل معهم، والبقاء وحيدا يضر بالإنسان وبصحته النفسية ويؤثر على حياته بالكامل.

يعرّف المرشد النفسي محمد أحمد حجازي العزلة الاجتماعية بأنها الغياب التام أو شبه التام عن التواصل مع الآخرين، والتي من الممكن أن تتولد لدى الفرد نتيجة وجود اضطرابات نفسية أو وجود تقدير ذاتي متدن لديه، ويمكن أن تكون العزلة لا إرادية لذلك علينا أن ننتبه في العلاج على خلق الواقع الإيجابي لدى الفرد».

وتقول الاخصائية الإجتماعية سوزان خير إن :«الإنسان كائن اجتماعي لكنه أحيانا يصاب بالعزلة الاجتماعية نتيجة موقف مؤلم، مثل الفشل في المهنه أو الدراسة أو العاطفة أو فقدان عزيز وغيرها من الأمور التي يكون قد تعرض لها، مما يولد لديه الميل إلى الانطواء، والوحدة غير مدرك أنه أوقع نفسه في فخ المخاطر بإرادته».

وفيما يتعلق بأسباب انعزالية الفرد، يقول حجازي إن: «هناك العديد من الأمور التي تؤدي إلى العزلة منها، السلوكية، وعوامل التنشئة الإجتماعية التي تؤثر على ظهور السلوك الانعزالي لدى الأفراد».

وبضيف إن: «عدم المشاركة في المناسبات الاجتماعية، وعزل الطفل أو الفرد عن الظهور أمام الآخرين يؤدي إلى تنشئة فرد منعزل لا يعلم ماذا يفعل بالمواقف الاجتماعية مما يجعله منطويا في غالبية الأحيان ».

ويلفت إلى أن:«ظهور بعض الأمراض الخلقية مثل الإعاقات الحركية أو مشاكل النطق تدخل الأفراد في نزاعات نفسية تؤدي بهم إلى العزلة، وتجنب المجتمع، والاحتكاك بالبشر عموما».

ويشير حجازي إلى أن: «تقدم الأفراد بالسن، وثقافة بعض الأسر وبعض المشاكل النفسية التي تتعلق بالنظافة الزائدة وغيرها من العوامل التي تؤدي الى العزلة الإجتماعية».

ويضيف: «بعض الدراسات أثبتت وجود عوامل جينية مرتبطة بالتعبير الجيني وفقا لما إكتشفه عالم النفس «كول».

مخاطر صحية

وحذرت نتائج دراسة علمية حديثة أجرتها جمعية السرطان الأميركية من أن: «الوحدة والعزلة الاجتماعية تزيد من فرص الوفاة المبكرة والإصابة بالأمراض السرطانية، وأن عدم التفاعل الاجتماعي يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، والالتهابات(...)».

وأوضحت أن:«العزلة الاجتماعية التي يزيد فيها انقطاع الاتصال مع الآخرين أو المجتمع، تضاعف من المخاطر الحقيقية لأسباب الموت خاصة خلال موسم الأعياد، إذ إنه وقت يشعر فيه الكثيرون بضرورة أن يكونوا محاطين بأحبائهم».

وكشفت أبحاث ودراسات حديثة أخرى أن: «العزلة الإجتماعية تضرّ بكريات الدم البيضاء فتضعف مناعة جسم الإنسان ما يزيد من احتمال الاصابة بالتهابات خطرة».

كما بينت أن: «هذه الوحدة قد تسبّب بوفاة كبار السن، من خلال زيادة مستويات الهرمونات المسؤولة عن التوتر في جسم هؤلاء».

ويبين حجازي أن: «علاج هذه المشكلة يحتاج إلى تشاركية متكاملة من الأسر والمجتمع المحلي المتمثل بالمدارس والمراكز الصحية والثقافية، حيث تقوم فكرة العلاج أولا بمكافحة جميع الأفكار والمعتقدات السلبية، التي يتصورها الأفراد عن انفسهم، وزرع الثقة بالنفس عن طريق دحض كل ماهو سلبي بداخلهم، والتركيز على الجوانب الإيجابية بشخصية الفرد وتعزيز هذه الفكرة».

ويشير الى:«ضرورة إقناع الأفراد بالمشاركة في النوادي الرياضية وممارسة النشاطات المتنوعة وعلى الأهل ممارسة النشاطات الاجتماعية مع أبنائهم ومراقبة سلوكهم في كل مراحل العمر».

التكنولوجيا سبب عزلة الأطفال

ويوضح حجازي أن: «ظهور الهواتف الذكية وعصر التكنولوجيا الحديثة سبب رئيسي في عزلة الأطفال كونهم لم يتعلموا ثقافة مودة الناس والتشاركية، وانغمسوا بالألعاب ولم يحظوا بتنشئة اجتماعية مناسبة». ويبين مساعد مدير الوعظ والإرشاد لقسم الدعوة في وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأستاذ المساعد في الفقه وأصوله الدكتور بسام القواسمي أن: «حالة العزلة والانكماش والانطواء من الحالات النفسية التي تؤثر في سلوك الإنسان سلبا، ولذا فإن من يحب العزلة ولا يواجه الناس والضيوف في بيت؛ إنما مرده في الغالب إلى ضعف الدين واليقين وبعض حالات الحسد والخوف والعين، ونقول لهؤلاء أن الذي يعتقد بأن النفع والضرر بيد الإنسان فإن اعتقاده باطل،فالضرر والنفع بيد الله سبحانه وتعالى».

ويذكر القواسمي قول النبي صلى الله عليه وسلم :«المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف». ويبين القواسمي أن: «التوجيهات النبوية تدعو إلى عدم الاكتئاب، وتحض على الانخراط في المجتمع وجو الأسرة وعدم الاكتفاء بالوحدة ومضيعة الوقت لساعات في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تؤرق المجتمعات وتصيبها بالأمراض النفسية والاجتماعية».