كتب: المحرر السياسي

فيما تلّف الأزمات والتوترات قوساً واسعاً من المنطقة العربية، تُنذر في حال امتداد حرائقها وتداعياتها الى تفتيت ما تبقّى من وشائج وعُرى قومية, وتُحيل المشهد الكارثي الذي يُحدق بدول وشعوب بعض الاقطار العربية المُهدّدة بالتقسيم وتواصُل الحروب الاهلية، الى ما يُشبه لعبة الدمينو التي ستأخذ بعض تلك الدول الى نادي الدول الفاشلة. ما يستدعي تدخّلات دولية بذريعة الوصاية والحِرص المزعوم على أمن المنطقة واستقرارِها وغير ذلك من المصطلحات المغسولة التي يُتقِن المُستعمِرون والمتربِّصون بالعرب وثرواتهم وموقعهم الجيوسياسي، فيما دول وانظمة عربية اخرى تبدو مُرشحة للاندثار والتقسيم الى دويلات وكانتونات, على أُسس طائفية ومذهبية وثالثة ذات طابع عِرقي,

وغيرها لتتحوّل الى مُجرّد «مُختبر» وبالون اختبار لرصد التحوّلات المتوقعة. ناهيك عن «الفُرقة» وانعدام الثقة التاريخي التي تعصف بالمشهد العربي منذ سبعينيات القرن الماضي، رغم «القمم» العربية التي عُقد بعضها تحت يافطة «الطارئ» وغيرها بل كثيرها الذي عُقد دورياً، لكنها انتهت كما كان مُتوقّعاً ومعروف النتائج مُسبقاً, الى مجرد اجتماعات لالتقاط الصوّر وحلبات مبارزات في البلاغة وإطلاق المواقِف والمُصطلحات «النارِية», التي ثبت انها بلا رصيد سياسي او مصداقية شخصية او حتى رغبة في تنفيذ الحد الأدنى من ديباجة وقرارات وتوصيات كثيرة, لم يحفَل احد بمتابعتها او التفكير بعواقب عدم الإلتزام بها.

في خضم ذلك كله يبدو الغياب التام للجامعة العربية, التي من المُفترض ان تكون الإطار التنفيذي لتوصيات مؤسسة القمة ومجالِسها الوزارية وحتى على مستوى المندوبين الدائمين لديها. غياب يبدو للبعض مُبرَّراً وبخاصة عندما يذهبون بعيداً في تحميل «الأنظمة» مسؤولية الإنهيار «غير المُعلن رسمياً» للجامعة, بعد ان تجاوزتها وسدّت الطريق عليها «المجالس» العربية الإقليمية, التي تم انشاؤها ثمانينات القرن الماضي. بدت فعلاً كـَ «محاوِر» وتكتلات أضعفت «مؤسسة» الجامعة وألحقتها بها, رغم ان مُعظم تلك المجالس وُلدَت مَيِّتة, فيما ما بقِي منها على قيد الحياة, غدا مشلولاً وفاقداً الاهمية والتأثير, وتحوّل الى مجرّد منصّات للتراشق الإعلامي وتصفية الحسابات, ودائماً في التآمر على البعض «المِحوَر»..العربي الآخر.

وكي لا يتم منح اي قيمة لتبريرات تُساق من هنا وهناك لإعفاء الجامعة وبخاصة أمانتها العامة من مسؤولياتها، فإن أحداً لا تُساوِره الشكوك, بأن أهمية وقيمة ودور منصب «الأمين» عام الجامعة, إنما يمرُّ من «بوّابات» الأنظمة, التي يمكن ان تفسح في المجال أمام الجامعة وأمينها كي تنهض بمهمتها وتقوم بالدور المنوط بها, في «حِياد» وموضوعية وعدم الوقوع في خانة التحيّز, أو الانتصار لهذا المحور العربي او ذاك. لكن ذلك كله - على وجاهَته وصحته - لا يعفي الامين العام من مسؤوليته - إذا ما اراد حقاً القيام بدوره وعدم الخضوع لاملاءات وأوامر محور عربي قوي او غيره - الأمر الذي يُسهِم في إضفاء الجدية على ذلك الدور او يقضي عليه, أو يجعله مجالاً للتندّر على النحو الذي شاهدناه في القرن المنصرم وخصوصاً بدايات القرن الحالي, عند اندلاع «موجات» الربيع العربي التي غدت فيها الجامعة مِطية لمعسكر عربي نافِذ, ألحقَها بمخططاته وباتت ناطقة باسمه, على نحو أفقدها ما تبقى من صِدقية وسيادة أجواء من خيبة أمل جماهيرية عربية, الى ان انتهت بالحالة البائسة التي هي عليه الان.

ثمة أمثلة «طازَجة» على هذا الغياب او التغييب المُبرمَج والمقصود لدور جامعة الدول العربية وأمينها العام, طوال تلك السنوات التي اشتعلت فيه الساحات العربية. وقيل في وصفها زوراً انها ثورات وهبّات جماهيرية ارادت التخلّص من أنظمة استبدادية ونادَت بالعدالة الإجتماعية وحكم القانون ومحاربة الفساد ووقف نهب ثروات البلاد والعِباد, وعدم الارتهان للقوى الأجنبية التي لا تريد خيراً بالأمة وشعوبها.

وإذا كان الموقف العربي «...» من بعض «ثورات» الربيع العربي المزعومة, قد أسهم في يتفتيت ما أُسمِي زوراً ذات يوم «الاجماع العربي», وبدا العرب وكأنهم «مقودون» من معسكر عربي, يريد تصفية حساباته مع انظمة عربية معينة, فإن انحياز الجامعة او تبعيتها او صمتها ازاء تلك الإنقسامات, قد دفع بها الى مؤخرة المشهد ليتقدّم الى صدارة المشهد «وسطاء» آخرون, بعضهم لاسباب تتعلق بدوره كما هو الحال في منظمة الوحدة الافريقية, التي تدخّلت «وسيطاً» في أزمات السودان وليبيا وتونس. وبعضها الآخر وجدها فرصة لاستعادة نفوذه او التأسيس له, كما هو حال الإتحاد الاوروبي وبعض دوله مُنفرِدة مثل فرنسا وايطاليا في الازمة الليبية، وحالياً في السودان «والجزائر قبل ان يُقفِل الجزائريون الباب في وجوههم», ودائماً في الولايات المتحدة الاميركية التي تُسارِع الى تعيين «مبعوث خاص» لهذه الأزمات, كما حدث في سوريا والعراق وليبيا والان في السودان وربما في الجزائر لاحقاً.

في السطر الاخير... يبدو المشهد العربي قاتِماً في أبعاده المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتتبدّى مظاهر الإعياء والكهولة على جسد غالبية الانظمة, التي يفتقد معظمها قراره السيادي وضمور الخيال السياسي لمُعظم نُخَبِه. وتظهر بوضوح علامات الفُرقة والانقسام وانعدام الثقة بين الانظمة العربية. كما تُجسّد الجامعة العربية في بعض تجلياتها هذا الوهَن العربي المُقيم, الذي ينعكس ضمن امور اخرى في انتشار العدد الهائل من القواعد العسكرية الاجنبية على اراضيها, وفي التبعية السياسية والإقتصادية والمالية لقرارات ورغبات عواصم الغرب. ما يدفع للاعتقاد بل الجزم اننا أمام حالة غير مسبوقة من الإنحطاط العربي, الذي لا يمكن الخروج منه إلاّ باستعادة بعض مفاهيم ومصطلحات و«أحلام» المراحل السابقة, في التحرّر وامتلاك القرار السيادي الوطني وفي إعادة الإعتبار لمفهوم الحد الأدنى من الأمن القومي العربي والعمل العربي المُشترَك, رغم كل ما لحِق بهذه المعاني والأحلام السامية من تشويه.