بعد عقود من الكتابة عن إشكالية أسعار الدواء، ومحاولات «نبش» أسرار ذلك القطاع، تكشفت معطيات الأزمة ببعض تفاصيلها، وبخاصة ما يتعلق بعمليات التسعير. حيث كشفت نتائج الدراسات التي أجرتها لجنة مختصة عن ارتفاع كبير جدا في الأسعار مقارنة بدول في المنطقة. الدراسة التي فرغت اللجنة من وضعها أوصت بتخفيض أسعار قائمة طويلة بنسب تصل إلى 60 بالمائة. وفي ذلك مؤشر على تجذر الخلل على مدى عقود طويلة، وعلى تساؤلات عمن يتحمل مسؤولية ذلك. اللافت هنا أن بعض الأطراف الرسمية المعنية بالتسعير ما زالت تدافع عن مصالح مستوردي ومصنعي الدواء، مع أنهم يقرون ضمنا بأن تخفيض الأسعار للكثير من الأصناف بنسب كبيرة يضمن لأطرافها نسبة معقولة من الأرباح.

واللافت هنا أيضا أن هذا «البعض» يثير الكثير من المبررات التي تدافع عن وجهة نظر الطرف الآخر. من أبرز تلك المبررات ما يساق حول ارتفاع أسعار بعض أصناف الدواء المصنع محليا، وانخفاض أسعاره في الخارج. فوجهة النظر التي تطرح، والتي اعتمد عليها هؤلاء المسؤولون تتمثل بأن الدول المستوردة للدواء الأردني تشترط أن يكون السعر لديها أقل من دولة المنشأ. بمعنى أنهم يقرون ضمنا بتمرير أسعار مرتفعة محليا للدواء الأردني في السوق المحلية، لاعتمادها في معادلة التسعير خارجيا. ويضيفون إلى ذلك أن الصناعات الدوائية تشغل العمالة المحلية وتجلب العملة الصعبة.

وفي ذلك إقرار ضمني بأن المستهلك يتوجب عليه أن يتحمل مسؤولية تشغيل العمالة وزيادة الصادرات. وفي الوقت نفسه إثراء أصحاب الصناعات.

ومن الحجج التي يطرحها هؤلاء، من أجل إضفاء المشروعية على ما اقترفوه بحق المرضى، أن 80 بالمائة من الأردنيين مؤمنين صحيا. وأن الجهة التي تتأثر بارتفاع أسعار الدواء هي شركات التامين، وإدارة التامين الصحي. وهي المعلومة التي تنقصها الدقة في الكثير من جوانبها، لجهة أن وزارة الصحة رفعت رسوم الاشتراك في التأمين الصحي، وأن منتفعيها يعانون كثيرا في مجال الحصول على الدواء، كما أن شركات التأمين الخاصة ضاعفت رسومها لمواجهة الارتفاعات أولا، ولتحقيق أرباح كافية ثانيا. وتؤكد معطيات المعادلة أن الحلقة الأضعف في كل ذلك هو المريض، الذي عليه أن يتحمل كافة مخرجات هذه العملية التجارية غير المتكافئة. هنا، لا بد من التأكيد على أهمية ما قررته اللجنة، وما سيترجم إلى قرارات بتخفيض الأسعار. غير أن القضية لن تنتهي عند هذا الحد. فالبعض يتوقع أن تبدأ معركة شرسة، يستعد لها أصحاب المصانع والمستودعات، وهي معركة لن تحسم إلا بإعادة النظر في آلية التسعير للدواء، والتي وضعت لخدمة تجار الدواء. أما اذا ما اكتفت الجهات المختصة بإصدار قرار التخفيض فالعملية ستبقى ناقصة.. ومؤقتة. ومن غير المستبعد أن تعود الأسعار كما كانت بعد عدة أشهر، وبموجب معادلة التسعير ذاتها.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com