كان أبي يحب السياسة كثيراً، وكان معجباً بصدام حسين وجورج حبش، وأحب أيضاً الفنان فهد بلان.. الرابط بينهم هو أنهم قادة ميزتهم الصرامة، وفهد بلان لم ينظر له أبي يوماً على أنه مغنٍ.. بل نظر له على أنه قائد الأغنية العربية بلا منازع، وفيما بعد اكتشفت أن فهد بلان كان صديقه المقرب، فقد جمعتهما طفولة متعبة في مدينة الزرقاء.

كلما زرت قبره في الكرك، استرجعت أحاديثنا في الشأن السياسي، وتحدثت قليلاً له عن حالنا، وأخبرته أن صدام حسين أعدم شنقا -فقد مات أبي قبل إعدامه بكثير-.. وأن فهد بلان هو الآخر مات، وأن اللحن لم يعد مدوياً.. وجبل حوران صار يفيض دماً، وأيضاً لابد من التعريج على خيباتنا.. فأنا أحدثه عن حجمها وهولها، وأحس في لحظة أن التراب.. يبتعد عن بعضه قليلاً، كأنه يريد أن يرسل صوتي له..

كلما زرت قبره، تحدثت له مطولاً أيضاً.. عن وضع البلد، وقسوة الحياة.. وأنا بصراحة حين أتحدث هناك، أراقب الوضع وأتاكد من محيط القبر، أو أخفض صوتي قليلاً.. فالأمور لدينا حتى عند الحديث للأموات صارت تحتاج للقليل من الحذر.. وللعلم حين أتحدث له عن خيباتنا، أخبره بحجم خيباتي أيضاً.. فأنا وطن احتلته الأغاني والنساء والقصائد.. والسجائر، وتبقى لي الحلم فقط.

أجمل شيء في العمر هو أن تتحدث للميت، ويسمعك التراب.. وأحياناً حين يكون الحديث عائلياً، وحول أخبارنا.. أخفض صوتي بالطبع ليس خوفاً من أحد، ولكن العائلة لها خصوصية، وهنالك قبر قريب أخاف من أن يعرف بعضاً من أسرارنا العائلية.. وبالتالي تنتشر في المقبرة.

أثناء الحديث أزيل عن قبره بعضاً من الحشائش التي نبتت في الأطراف، وأكواباً فارغة من الماء، تركها أحد المشيعين، لميت آخر.. وصدقوني أني أخاف أن أشعل سيجارة، فأنا لم أدخن أمامه وهو حي، كيف لي أن أفعلها وهو ميت.. وأجلس على الحافة قريباً من رأسه، وأخلع حذائي، ولا أعرف لماذا.. ولكني أحس أن لتراب قبور الأحباء حصانة في الروح تجعله أطهر، من ماء الغيم.. وذات مرة جاءت جنازة سيدة عجوز، كانوا سيدفنونها بالقرب من أبي، ولكني وقفت دون شعور بالمشهد، وصرت أطلب من الناس أن يبتعدوا قليلاً عن قبره، فقد خفت أن يدوس أحدهم عن دون قصد على ترابه.. وصرت حين أبعد الجنازة، أقول للناس: (لو سمحت قبر أبوي.. أبعد شوي) والناس كانت تستغرب لأنها ظنت أني من مشيعي السيدة العجوز، فهي لم تعتد أن تشاهد رجلاً يحرس قبر أبيه.

كلما ضاقت بي الحياة، عدت لقبر أبي.. وألقيت بياناً سياسياً.. أخطر من بيانات الأمة العربية كلها، وأحس أن التراب.. بالحصى المجتمعة فيه، وجذور الحشائش، كأنه أمة.. تنتظر بياني بلهفة.. فأنا لم يعد أحد يسمع لي، غير تراب قبر أبي.. صدقوني أن الأباء يعلمون تراب القبر كيف يحن على الأبناء حتى وهم أموات، وحين أخرج.. أحس براحة غريبة عجيبة..

صارت المقابر بالنسبة لي، مكاناً أجد فيه الحرية المطلقة، والحنان المطلق.. والأراء المتطرفة، وحجم خيباتنا.. يا الهي كم أنتجنا من خيبات!

Abdelhadi18@yahoo.com