تتعرض مؤسساستنا، وبالتحديد بداية العقد الحالي المشؤوم والذي لم يتمخض عنه سوى دمار العديد من الدول وتأزيم الوضع في المنطقة عموماً، إلى تغوّل واستقواء غير مسبوقين من قبل العديد من القوى والأفراد، من داخل تلك المؤسسات ومن خارجها.

وهؤلاء هم، على نحو حصري، أصحاب أهواء وأطماع ومصالح شخصية يريدون تحقيقها عنوة خلافاً للأعراف والأنظمة والتعليمات والقوانين، أو وسطاء من أصحاب الجاه أو المال أو النفوذ الذي يساندون أصحاب الأطماع والمصالح هؤلاء.

ثقافة عدميّة هدميّة بدأت تبرز بقوة بعد التاريخ المشار إليه للتو مؤدّاها أن باستطاعة شخص ما إذا ما حشد الدعم الكافي أن يفرض إرادته على المؤسسة بالصوت العالي والتهديد والوعيد، وكأننا نعيش حالة خارج المدنيّة. اللافت هنا أن الأمر تعدّى موضوع الوساطة والمحسوبية الذي خبرناه لعقود وتحوّل إلى ابتزاز فجّ وليّ للأذرع.

وويل للمسؤول الذي يقف في وجه هذا الشخص، أومن يساندونه، دفاعاً عن الأعراف والقوانين والإجراءات ومصلحة المؤسسة والدولة.

حرب شعواء، قوامها التّدليس والتّبلي والافتراء واغتيال الشخصية، تشن عليه وعلى المؤسسة على الملأ، في الصالونات ووسائل التواصل الاجتماعي التي ابتلينا بها ووسائل الإعلام المأجورة الهابطة، دون وجل أو حياء.

وهذا أمر غاية في السلبية، ذلك أن قوة الدولة هي من قوة مؤسساتها وأن الدولة الأردنية، منذ عهد الإمارة ولغاية الآن، نجحت في بناء أكفأ المؤسسات وأرقاها، وإن إضعاف المؤسسات، بفعل أفعال كهذه، سيضعف الدولة لا محالة. الكل يعلم أن الدولة الأردنية مستهدفة الآن، بسبب مواقفها المشرّفة من القضية الفلسطينية ومن قضايا الأمة، وأن العديد من الأعداء والحاقدين والمغرضين والحمقى، يساهمون في شن حملات تشكيك وتشويه ممنهجة هدفها إضعاف موقف الأردن والنيل من وحدة الصف وأمن البلد واستقراره.

لكن ما قد لا يعلمه الكل أن مؤسساتنا تتعرض لهجمة مماثلة، من قبل بعض منتسبيها من داخلها، أو من قبل بعض أصحاب المصالح والمتنفذين من خارجها. وإذا لم تقف الدولة مع مؤسساتها وتحميها من القراصنة والخارجين عن الأعراف والقوانين، وتساند مسؤوليها وتدعمهم، فستضعف تلك المؤسسات لا قدر الله وتعمّ حالة لامؤسسية لاحضارية لا يحمد عقباها. من له أي مطلب أو أية مظلمة فليعالجها من خلال المؤسسة ذاتها بالأسلوب المؤسسي الحضاري، ففي كل مؤسسة من مؤسساتنا جهات رقابية داخلية ودوائر قانونية ومجالس ولجان هي الأولى والأجدر والأعدل في النظر في المطالب والتظلمات والاعتراضات والاستئنافات.

وهي أيضاً الأقدر والأكفأ في التعامل مع التجاوزات والإخفاقات والمخالفات والانتهاكات. المطلوب هو دعم مؤسساتنا وتطويرها وتحصينها لتمكينها من الاستمرار في أداء مهامها بكفاءة واقتدار وشفافية وعدالة، وإيقاف محاولي الاستقواء عليها والمشككين فيها عند حدّهم. وهذه أولوية أولى في هذه المرحلة الدقيقة التي نمرّ بها.

ولا بد للناس أن تدرك إدراكاً واضحاً لا لبس فيه أن المساس بالمؤسسات هو مساس بأمن المجتمع ومصير الدولة، فهيبة المؤسسات وحمايتها واجب مقدس.