لقد التقيت قبل أيام عددا من السياسيين والمفكرين الروس والأميركيين الذين تحدثوا بتجرد وموضوعية عن صفقة القرن. وقال أحد هؤلاء وهو يدير المطبخ الرئيس لصنع السياسات الخارجية في موسكو: «باختصار إنكم في الأردن على حق حين تخشون تلك الصفقة المريبة التي رتبها كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب لأنها ما وضعت الا من أجل تقوية إسرائيل أمنياً واقتصادياً على حساب الأردن والسلطة الفلسطينية، وصولاً لتحقيق سلام اقتصادي دون حل المشاكل الأساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي».

وأضاف نظيره الأميركي إن موقف الأردن الرافض للصفقة نابع من واقع موضوعي وواجب وطني تجاه القضية الفلسطينية وتجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشرقية لأنها بذلك تتجاوز اتفاقية السلام الإسرائيلية الأردنية واتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وأردف قائلاً: «إن تلك الصفقة تنسف كل معاهدات السلام العربية -الإسرائيلية وتتخلى تماماً عن فكرة إيجاد دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية؛ لذلك نرى التشدد الأردني والفلسطيني في هذا الملف. فلا بديل عن التشدد سواء رضي مروجو تلك الصفقة أم لم يرضوا. إنها باختصار مسألة حياة أو موت بالنسبة لكم كأردنيين ومن ثم بالنسبة لهم كفلسطينيين. فلن تكون هناك هوية واضحة لكليكما إن وافقتما على الصفقة».

وأضاف دبلوماسي أميركي سابق إن الصفقة تمثل إفراغ ناطحة سحاب سكنية وتوزيع السكان على مناطق أخرى لاستغلال تلك البناية لأغراض زيادة الاستثمارات والأعمال والأرباح ما يُدر دخلاً كبيراً على السكان ممن أخلوا بنايتهم بما يغنيهم عن المطالبة بحقهم في تلك البناية أو الشقة. «إنها باختصار تحويل مبنى سكني الى تجاري» وفق ما قاله الدبلوماسي. فتفسير رفض الأردن وفلسطين للصفقة هو أن الإسرائيليين والأميركيين ينظرون إلى عملية السلام على أنها مشروع تطوير عقاري، المهم فيها المنافع الاقتصادية، مع الحفاظ على الوضع الراهن لإسرائيل كقوة إقليمية ما يعني حفاظ إسرائيل على الوضع الراهن والدفع بكل من الأردن وفلسطين إلى مستقبل مجهول وقاتم في ظل تشجيع بعض الدول العربية لتلك الصفقة.

وكلما تشدد الجانبان الأردني والفلسطيني ومن ورائهما شعباهما كان مصير الصفقة التأجيل وراء التأجيل قبل وأدها. وليس أدل على ذلك من إعلان الإدارة الأميركية تأجيل صفقة القرن للمرة الرابعة إذ سبق ان أجلت واشنطن اعلان الصفقة ثلاث مرات وفق رؤية نتنياهو لكسب الانتخابات. لذلك فإن فكرة الإعلان عن تلك الصفقة تعود إلى صلابة الموقفين الرسميين الأردني والفلسطيني.

كما أن لقاء جاريد كوشنر المستشار الخاص للرئيس الأميركي في شهر مايو في عمان بجلالة الملك عبدالله الثاني جعلته يؤجل الإعلان والنظر في الأسباب قبل النتائج للمضي قدماً في «صفقة القرن» لا وفق ما تريده إسرائيل ويخدم مصالحها بل وفق ما يخدم المصالح الأردنية والفلسطينية.

makahleh1@gmail.com