حليمة الدرباشي

وقف الرجل البائس أمام نافذة عالية تطل على جبل تعتلي سطحَه مكعبات إسمنتية متلاصقة وبضع شجرات خُضر يواصلن النمو رغم أنف الجنس البشري المتوحش. تسقط رأسه فتبدو مغموسة بين كتفيه وهو يتتبع درَجاً يهبط إلى الأسفل، ليشتبك مع شارع طويل مزدحم. الشارع يمتد طولياً، مما يجعل المحلات التجارية تتزاحم على رصيفه. على الرصيف مطعم قديم للفلافل. بجانب المطعم شارع فرعي يتسلق الجبلَ. يتتبعه بنظره، فتنهض رأسه من جديد. الجبل صامت منذ زمن، شاهد عتيق على محاولات الصحوة وأشكال الانهزام. يمسح الجبلَ بنظرة متصلة من أقصاه إلى أقصاه. أجساد مهترئة. سوق يبيع الملابس المستعملة. قهوة تلمّ شملَ العابرين، ودخان كثيف يتصاعد من مؤخرات المركبات الصدئة.

في كل مرة وقف فيها قبالة ذلك الجبل، كان يفكر في تقوُّسه ذاك، ويتذكر تقوُّس ظهرِ كبير القرية الذي صار طريحَ الفراش، وتقوُّس ظهر الجندي الذي صار طريح القبر، وظهر الفدائي الذي بات طريحَ البريّة. فيهرع إلى تحسُّس ظهره، لتؤكد له يداه الملتفّتان أنّ له ظهراً لا يتقوس.

اتسعت عيناه إلى أقصاهما عندما طرقتْ رأسَه تلك الفكرة، فشعر بآلام حادّة في الصدر والمعدة. عندها قرر أن يجلب له حبيبة لتقف معه في مواجهة الجبل، فيستند على كتفها، ويرتاح من عناء الوقوف الذي طال.

عاد الرجل إلى الشوارع التي أصبحت في نظره مقززة وخالية يبحث عن فتاته، فالتقطها على نحوٍ سريع بينما كان الجنود يلتقطون الأنفاس الأخيرة في الشمال، والأم تلتقط الأنفاس الأخيرة في غرفة الولادة.

قبضَ على يدها، وأخذها إلى تلك النافذة، وأحاطها بيديه ليلتصق صدره بظهرها. ينظران إلى الجبل بعينين جديدتين وزفرات حارّة. وفي كل مرة يقبض فيها عليها، كانت تتنشق ريحه بينما هو يغوص في الرغبة. وفي مساء يوم من أيام آخر الصيف، وبينما كانت الشمس ترمي آخر أشعتها على الجبل، صارا يريانه وقد تحوّل إلى نوافذ صغيرة لامعة.

وعندما حلّ الخريف، عادت الساعة إلى الوراء ساعة وعاد هو إلى الوراء ساعات. عندها لسعته الأنانية الراكدة، فاستيقظ شيطانه وهاج وماج. وجد نفسه غريباً يقف مع غريبة على نافذة غريبة والظلام المبكر غريب. كل شيء صار غريباً في عينيه فجأة. حتى ضوء الشارع الأبيض صار يسلّط حقده الغريب على النافذة.

انتبه الرجل إلى ضوء الشارع الأبيض ذاك: متى صار أبيض وكيف، بعد أن كان ذهبياً برّاقاً يبخّ نورَه على المارة في الشارع فيتحولون إلى فراشات!

فزع الرجل، فأمسك حبيبته وألقى بها من النافذة لتقع أرضاً وتتحول إلى آنية زهور يتراكم الكلْس على جدارها الداخلي، ويجرحها شعر في سطحها الخارجي، ثم غاب.

الجبل ما زال واقفاً، يخترقه شارع طويل يمتد من أعلاه إلى قاع المدينة. تعبر ذلك الشارعَ بُقَعٌ ضوئية تتفاوت في طولها الموجيّ وسطوعها. الجبل يطل على النافذة بعينين ثابتتين لا شعور فيهما، بينما دخانٌ كثيف ينبعث منها.

اعتقد الجبل أن الرجل قد احترق وصار رماداً، وطال اعتقاده ذاك حتى رآه ذات مساء يُخرج رأسه من النافذة وينفث دخانه في وجهه وحيداً بائساً مرة أخرى.

شعرَ ذلك الجبل بالغباء الشديد عندما ظن أنه الوحيد الثابت والباقي على وجه السليقة، وشرع يراقب ذلك الرجل كلّ يوم، عينيه الثابتتَين، خطوط الشيب، حبيباته الكثيرات، سيجارته ودخانها المهرول عالياً، ملامح وجهه اليابسة، تقوُّس ظهره.

الجبل أيضاً كان يعتقد أنّ له ظهراً لا يتقوَّس!

عمل فني لـ هاني حوراني

تحضر عمّان بتضاريسها وفضاءاتها المعمارية ثيمةً أثيرة في أعمال هاني حوراني، وهو ما يردّه الفنان إلى كون المَشاهد في هذه المدينة «مناسِبة» للمزج بين اللوحة والفوتوغراف، لذا كان تركيزه على إظهار سفوح المدينة وإغنائها بأكبر قدر من التفاصيل في المشهد: أشكال البيوت وأحجامها، وتعدّد طوابقها، وتراكُبها في طبقات، وتمايُز ألوانها. حتى المخلّفات المتروكة على سطوح البنايات، ولواقط البثّ الفضائي، وسخّانات الماء، تصبح شريكاً في تأثيث اللوحة وإشاعة الدفء فيها، وتغري الفنان بالمزيد من التجريب والابتكار، فـ «التدخّل في الرسم على هذه الكمية الهائلة من التفاصيل، يعطي قيمة وغنى وحميمية للّوحة» وفقاً للفنان.

ومن خلال هذه التقنية التي تنطوي على صيغة تفاعلية توليدية تمنح الأعمالَ كثافة بصرية وأبعاداً لا نهائية، يصبح لكلّ تفصيل مهما صغر شأنه أو كان مكانه على سطح اللوحة دورٌ ووظيفة، فالعين ترى اللوحة من أعلاها إلى أسفلها، وكذلك من أقصى يمينها إلى أقصى شمالها، بالدرجة نفسها من التلقّي البصري، وهذا نوعٌ من «التحرر» وإعادة موضعة المفاهيم، فبينما يهتم الفنانون في العادة بمركز اللوحة، يجعل حوراني كلَّ مفردة على سطح اللوحة مركزاً و«بطلاً» بحدّ ذاتها.

(جعفر العقيلي)