د.أيوب أبو دية

قبل أسابيع توفي المفكر السوري د.طيب تيزيني في مدينة حمص عن عمر ناهز 85 عاماً. وكان تيزيني وُلد في هذه المدينة، وأقام في برلين بألمانيا (1961-1967)، وحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة. اشتغل في التدريس حتى عام 1973، ثم حصل على شهادة الأستاذية في العلوم الفلسفية. وفي عام 1971 نشر كتابه «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط»، ومنذ ذلك الحين عمل أستاذاً للفلسفة والفكر العربي في جامعتَي دمشق وحلب معاً.

وقد اختير تيزيني في عام 1998 واحداً من مئة فيلسوف في العالم للقرن العشرين، من قِبل المؤسسة الفلسفية الألمانية الفرنسية (Concordia)، وانتُخب عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات الثقافية والصحفية في الوطن العربي عام 2001 في القاهرة. وكان ناشطاً في العمل الثقافي العربي، وعُرف بدعواته إلى إطلاق الحريات العامة ومشاركة المثقفين في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية.

أصدر تيزيني كتابه الأول بالألمانية بعنوان «مدخل إلى مفهوم الهيولى في الفلسفة العربية الإسلامية» عام 1972. إذ تبلور الاتجاه المحوري في إنتاجه أثناء إقامته في أوروبا، وبرز ذلك الاتجاه بجلاء مع عودته إلى سوريا، حيث أصدر كتابه بالعربية «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي الوسيط»، ومثّل هذا الكتاب محاولة لتسخير الفكر الاشتراكي العلمي في دراسة الفكر العربي الوسيط. بيد أنه بعد صدور الكتاب واستقبال الآراء النقدية من جموع القراء، وفي سياق التفكير في أحوال الفكر العربي التي آلت إليه -في حينه- راحت تتضح لتيزيني مسألة رآها في غاية الأهمية؛ وقد تمثلت في التنبه إلى أن كتابه الأول بالألمانية، كان ينبغي أن تسبقه -لأسباب منهجية- «مقدّمة» تكون بمنزلة التأسيس المنهجي للمشروع المعني. فانكب تيزيني على العمل على ذلك، فأصدر كتاباً حمل عنوان «مشروع رؤية للفكر العربي منذ بواكيره حتى المرحلة المعاصرة». وكان هذا العنوان بمنزلة الناظم العام لمجموعة أجزاء حُدّدت أوّلياً باثني عشر.

واستناداً إلى هذا المبدأ، حمل هذا الكتاب العنوان الجزئي: «من التراث إلى الثورة.. نظرية في قضية التراث العربي منهجاً وتطبيقاً». ووفق هذا التنسيق المنهجي التاريخي، جاءت أجزاء أخرى صدرت على التوالي حتى الجزء السادس الذي صدر بعنوان: «من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة»، القسم الثاني: «الفلسفة العربية الوسيطة في تحقـّقها».

وخلال هذا المسار النقدي المعقـّد، يضع طيب تيزيني يده على مفصل حاسم في عمله، وذلك حين تبين له أن المشروع النظري التأسيسي يتعيّن أن يجد تشخـّصه في العمل على التأسيس المعرفي لمشروع عربي جديد في النهضة والتنوير، وخاصة في مرحلة من مراحل تعمق الهيمنة الإمبريالية واتساع نفوذها في العالم؛ بحيث أصبح يُراد للعالم العربي فيها أن يُستباح. واكتسب ذلك التعمق صيغاً صاخبة انطوت على مخاطر عظمى قد تــُـفضي إلى إخراج العرب من التاريخ.

أدرك طيب تيزيني، شأنه شأن العديد من مفكري فلسفة التحرر القومي العربي، أنّ نشأة النظام العالمي الجديد، تتجلى بوصفه نظاماً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً، يسعى إلى نهب الطبيعة والبشر واستغلالهم وتفكيكهم وتمثلهم وهضمهم سلفاً وذلك بمساندة السلفيين منا من حيث لا يدرون. وفي تقدير القائمين على هذه التدميرية التاريخيّة، أن تحقُّقَها ممكن بفعل إقصاء وتفكيك الهويات المثمرة تاريخياً، والتي تكونت عبر أزمنة تاريخيّة مديدة، مثل هويات الوطن والنزعة الإنسانية والتقدّم والتاريخ.

فاستناداً إلى أساس الوعي بذلك، ركـّـز طيب تيزيني نشاطه المعرفي النظري الجديد بحيث وضع مشروعاً آخر تحت عنوان: «بيان في النهضة والتنوير العربي»؛ مما يعني أن الفكر العربي المعاصر بات يسير الآن في مسارين اثنين يشير كلٌّ منهما إلى الآخر، وهما مشروع رؤية جديدة للفكر العربي أولاً، والتأسيس لمشروع النهوض والتنوير العربي المذكور الذي يقوم على قاعدة التحام النظرية بالممارسة العملية ثانياً.

سعى طيب تيزيني لتحقيق الدولة الوطنية الديمقراطية نظرياً وعملياً، إذ لم يكتفِ بالترويج من خلال كتبه ومقالاته الكثيرة لفكرة المواطنة والمشاركة الحقيقة في صنع القرار، بل كان ينادي بها في لقاءَاته العامة ومحاضراته التي قدمها في أنحاء العالم العربي، والتي كان يلبّيها بالرغم من مشقة السفر وقلة عدد الحضور في بعض الأحيان.

لم يجامل طيب تيزيني في دعوته الدولة لإطلاق الحريات العامة، وإطلاق سجناء الرأي، والاستماع إلى فكر المثقفين والاستنارة بآرائهم، وتقريب الفجوة بين صانع القرار والقاعدة الشعبية، ولا ينتابني أيّ شك في أن سنواته الأخيرة كانت الأصعب والأشد إيلاماً له، ليس بحكم اشتداد المرض، إنما لرؤيته مشاريعه الفكرية في الحريات والمواطنة تذهب أدراج الرياح مع الحروب الأهلية التي اجتاحت العالم العربي بعد «الربيع العربي». ولكن ما يعنينا ههنا هو أن التأسيس النظري للفكر النهضوي ضروري للمستقبل وللأجيال القادمة وبخاصة عندما تظهر العنقاء من تحت الرماد وتحلّق في سماء العرب.

باحث أردني