حاورته: سميرة العجلوني

محمد سعيد الريحاني كاتب مغربيّ يحلم بكتابة عربية تحلّق بعيداً عن أيّ تأطير أو أسلوب نمطيّ للخروج من النفق المظلم الذي تعيشه الأمة إلى آفاق الحرية والنور والتقدم.

فرحَ بـ «الربيع العربي» في بداياته، ولكنه خُذل بسبب الويلات التي ألمّت بالشعوب جرّاء هذا «الريبع»، فرأى أن الكتابة يجب أن تُحَرَّر من القيود التقليدية المكبِّلة للإبداع حتى يقود الكاتب بفكره الإنساني النهضةَ المأمولة، إيماناً منه بأن الكلمة أكبر سلاح ضد التخلُّف والتحجُّر والانقياد.

تأثر الريحاني بكثيرٍ من الكتّاب الذين قرأ لهم، لكنه آثر أن يتّخذ منهجاً خاصاً به في الكتابة السردية هو «الواقعية النقدية» قبل أن يتجه في السنوات الأخيرة نحو ما يدعوه «الواقعية السحرية».

تالياً حوار مع الريحاني حول تجربته ورؤاه الإبداعية ومواقفه من القضايا الراهنة في المشهد الثقافي:

تكتب القصة والقصيدة والرواية. أيّ هذه الأنواع الأدبية أقرب اليك؟

الكتابة تعبير عن مكنونات الذات. ولأنها «تعبير»، فهي «شكل» إبداعي يختلف من مجال تعبيري إلى آخر. فأثر نص شعري عن موضوع ما يختلف كثيراً عن الأثر الذي سيخلفه نص سردي أو مسرحي عن الموضوع نفسه. وربما كان هذا من بين الأسباب التي جعلت الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر يعتقد جازماً أن الأدب يجب أن يكون ملتزماً، وأن الاعتماد على غير السرد والمسرح لا يمكنه تحقيق هذا المبتغى. معنى هذا، أن سارتر وضع الشعر، كمجال تعبيري، خارج اهتمامات الأدب الملتزم كما نظّر له.

أود أن أوضح أيضاً أنه ليست ثمة سلطة ترهن المبدع لتخصص إبداعي بعينه فيقضي حياته لصيقاً بجنس تعبيري واحد، ولكن الشائع أن الأديب، ربما بحكم تمكُّنه من أدوات الإبداع في جنس تعبيري ما، يتفرغ للاشتغال به وفيه، فيُعرف هذا المبدع بالشعر، وذلك بالمسرح، وذاك بالسرد. وقد أدركت الأمر منذ بدايات احتكاكي بعالم الإبداع المكتوب، وأدركت أن «الفكرة» تتغير تغيراً كبيراً كلما نقلت من «قالب تعبيري» إلى آخر. وهذا ما جعلني أفكر ملياً في الجنس التعبيري الأصلح للنص المزمع تحريره قبل كتابة حرف واحد على المسودة. أقصد أنه ليس ثمة أجناس أقرب إليّ من أخرى، وإنما ثمة أجناس وأشكال وأنواع تعبيرية أكثر فعالية من غيرها في تبليغ الرسالة الإبداعية، وما على المبدع سوى تجريبها واختبارها، بعيداً عن موضة التخصص الإبداعي الرائجة.

وصفت كتابة القصة بالمساحة القصيرة لإعادة تشكيل الحياة». ماذا تقصد؟

الكتابة والحياة وجهان لعملة واحدة. فعلى الوجة الأول للعملة، نعيش حياتنا لنخلّد كتابة ما عشناه فيها من حبّ وسلم وأمن أو لنجنّب الأجيال القادمة ويلات عشناها ولا نرضاها لهم. وعلى الوجه الثاني، نحن نكتب لنحلم بحياة مغايرة ونروّج لتلك الكتابات لكي تكون أفقاً إنسانياً بديلاً للواقع الراهن. وبذلك، تصبح الكتابة على الوجه الأول هي العنوان الرحب لكل صنوف «الكتابة السيرية». كما تصبح الكتابة، على الوجه الثاني هي الاسم العريض لكل أنواع «الكتابة التخييلية». وفي الحالتين، تبقى الكتابة محاولة للرقيّ بالحياة والسموّ بها من خلال إعادة تشكيلها على الورق في الزمن الراهن وإعادة صياغتها على الأرض في المستقبل المفتوح على الزمن.

المتابع لما تكتب من أدب، يلحظ أنك تميل إلى أكثر من مدرسة. ماذا تقول؟

كباقي الدول العربية، شهد المغرب بعد استقلاله تجاذباً بين إرادتين: إرادة الدولة وإرادة المعارضة على الصعد كافة بما فيها الشق الثقافي والفني والأدبي. فبينما انشغلت الدولة، على الواجهة الثقافية والفنية والأدبية، بتنشئة أجيال تقليدية ترتهن لـ «القواعد» وتلتزم بها، كانت المعارضة السياسية، عن طريق الجمعيات الثقافية والفنية والأدبية المنتمية لها، تكوّن أجيالاً حداثية «تفجّر» القواعد وتثور على الثوابت. ولأنني درست في المدرسة العمومية التي تشرف عليها الدولة من جهة وترعرعت في خطاب المعارضة الثقافية من جهة ثانية، فإنني أعدّ نفسي «محظوظاً» لكوني نهلت من خابيتين اثنيتين: خابية «التقعيد» التي دُرِّسْنَا من خلالها الانضباط للقواعد الصارمة للأجناس والأنواع والأشكال الأدبية، وخابية «التجريب» التي تَحرّرنا بها وعبّرنا من خلالها عن قلقنا بتفجير كل ما يقف في وجهنا من معايير وقواعد.

وعليه، فقد جربت، في وقت مضى، الكتابة على خلفية «الواقعية النقدية» تحت تأثير المقررات الدراسية والتكوين الدراسي «الكلاسيكي» كنصَّي «هوية» و«الفرجة والضباب والمشروع» اللتين أُقحمتا في مجموعة قصصية «تجريبية» حملت عنوان «في انتظار الصباح» صدرت سنة 2003. لكن التوجه العام لكتاباتي الإبداعية كان دوماً هو «التجريب» منذ سنة 1991 إلى حدود نهاية سنة 2011، عام ثورات «الربيع العربي». أما اليوم، فقد انتقلت للاشتغال ضمن كُتّاب «ما بعد الحداثة» ومدرستي الجديدة هي «الواقعية السحرية».

قليلون هم الكتّاب العرب الذين انخرطوا إبداعياً ضمن مدرسة «الواقعية السحرية». فالغالبية من الكتّاب العرب يختارون ما بين «الواقعية النقدية» كما استوردها وحافظ عليها الرواد كنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وغيرهما، و«التجريب» بخلفيته الفرنسية القادمة، في نسختها العربية، من المغرب العربي. ولأنني وجدت أفق الكتابة التجريبية أفقاً مغلقاً من جهة أولى على نخبة القراء الذين هم النقاد، ومحصوراً من جهة ثانية في خريطة إبداعية ضيقة من هذا العالم الأدبي الرحب أغلبها «فرانكفوني»، فقد قررت الانتقال إلى آفاق أرحب في الكتابة الإبداعية السردية يلتقي فيها الياباني بالكولومبي بالبرازيلي بالأميركي بالتركي بالبريطاني بالألماني بالإفريقي الجنوبي. قررت الانتقال إلى «الواقعية السحرية».

ومَن هم الكتّاب العالميون والعرب الذين تأثرت بهم؟

كنت محظوظاً جداً حين لم أخضع لتأطير أحد في مجال الإبداع الأدبي. ولأنّ الأمر كان كذلك، فقد قرأت كل ما وصل إليّ من كتب وروايات ودواوين ومجاميع قصصية. ونتيجة لذلك، تأثرت بالجميع. وأذكر أنني كتبت نصوصي السردية الأولى تحت تأثير السير الذاتية التي قرأتها لكتاب من طينة طه حسين وعبد المجيد بنجلّون ومحمد شكري منذ سن الخامسة عشرة، فكنت أقلّد جرأة هذا المبدع وبراءة ذلك الكاتب وتصلُّب ذاك. بعد ذلك، انفتحت على الكتابة التخييلية وتعرفت على كتّاب بصموا حضورهم في وجداني أكثر مما بصموا مرورهم في أسلوبي، كفيكتور هوغو وبلزاك ونجيب محفوظ وأرنست همنغواي. نعم، تأثرت بالجميع ولكنني، في الآن نفسه، قاومت تقليد الجميع. فقد اختطتُ، منذ بداياتي، منهجاً تجريبياً «خاصاً» في الكتابة الإبداعية السردية وحاولت الترويج له مغربياً وعربياً، ولكنني، اليوم، أجدني في الطريق لتغييره تغييراً جذرياً وسلوك منهج مغاير في التعبير السردي عنوانه العريض: «الواقعية السحرية».

أحياناً تغيب المرأة في أعمالك، وأحياناً تكون موجودة بقوة. هل من تفسير؟

حضور المرأة أو غيابها في الأعمال الأدبية عبر التاريخ حَكَمَتْه تارة «إكراهات» وتارة أخرى «اختيارات». فبينما عملت «الإكراهات» على تغييب المرأة على فترات طويلة من التاريخ الأدبي تحت مرجعيات أبوية خالصة، بدأت «الاختيارات» الفردية والمؤسسية منذ عصر النهضة الأوروبية ترجح كفة إعطاء المرأة مكانة تليق بها وجودياً وفنياً داخل العمل الأدبي. ورغم أن الخيار كان استراتيجياً، فقد ظهرت بين الفينة والأخرى هشاشة هنا أو هناك في التعامل مع الخيار: فهنا، نجد جورج صاند كاتبة أنثى تكتب عن المرأة ولكن باسم رجل. تماماً، كما كانت الشاعرة العربية الخنساء تكتب قصائد شعرية ولكن عن الرجال فقط. وهو الخيار نفسه الذي يتكرر في أعمال همنغواي الذي كان يكتب حصرياً عن الرجال واهتمامات الرجال، وللقراء الرجال.

فاستحضار ثنائية «الإكراهات» و«الخيارات» في تحليل دور المرأة أو صورتها أو حضورها هو من الأهمية بمكان. وعليه، أودّ أن أبين بأنني حددت سلفاً منهجيتي في الكتابة كما حددت مسبقاً مضامين نصوصي. فقد كانت التجريبية منهجي في الكتابة بينما رافقتها مضامين «الحرية» و«الحلم» في مجاميعي القصصية الصادرة ما بين عامي 2003 و2012: «في انتظار الصباح»، و«موسم الهجرة إلى أي مكان»، و«موت المؤلف»، و«وراء كل عظيم أقزام» و«لا للعنف».

في هذه المجاميع التي هيمن عليها العنف والطغيان والظلم، كان طبيعياً أن يخفت حضور المرأة وإشعاعها. لكن حضور المرأة صار أقوى مع تواري مضامين الحرية التي هيمنت على أعمالي منذ بلغت سن الرابعة والعشرين وتغييري لمنهجي في الكتابة في المجموعة القصصية «العودة إلى البراءة» التي نشرها اتحاد كتاب المغرب والمجموعة القصصية «الهائم بك» التي ستصدر قريباً باللغة الإنجليزية.

هل تعتقد أن المطلوب من الكاتب توظيف الشارع في ظل السريالية التي تحدث من حولنا؟ وكيف توظفها في كتاباته؟

القاعدة هي أن «الواقع» هو ما نعيشه في حياتنا اليومية الواعية، بينما يبقى «ما فوق الواقع» أو السريالية هو ما نتخيله من استيهامات للإفلات من قبضة الواقع. لكنني أجد العالم العربي تكسيراً لهذه القاعدة، إذ يقدم العرب نموذجاً مغايراً يتصالح فيه «الواقع» و«ما فوق الواقع» في الزمان والمكان نفسَيهما، حيث يصبح بإمكان الكاتب العربي أن يعيش «واقعه» على الأرض ويكتبه في الآن نفسه على الورق على أساس أنه «عالم متخيل» وينجح في إقناع القارئ بالأمر. وأذكر، بالمناسبة، حين كنت طالباً في مرحلة الماجستير/ شعبة الأدب الإنجليزي (تخصص «الكتابة الإبداعية») بجامعة لانكستر ببريطانيا، انتبهت الأستاذة المشرفة على تكويني د.دجاين درايكوت إلى تمايز نصوصي عن نصوص نظرائي الإنجليز فقالت: «أنتم الكتّاب العرب، لديكم طاقة تخييلية لا تنضب منذ (ألف ليلة وليلة) حتى نجيب محفوظ». وهي لا تعلم أن مادة نصوصي الإبداعية التي اطّلعتْ عليها كانت مستمَدة من حياتي وواقعي الذي يفوق بعنفه وقسوته وغرابته كل أشكال الخيال الممكنة. كنت دوماً أكتب واقعي فيتراءى لغيري نبوغاً وخيالاً جموحاً. وبالعودة إلى سؤالك، نعم. ربما، كان واقعنا العربي وصفة سحرية صالحة للكتّاب الذين يعانون من ضعف الخيال أو نضوبه.

إعلامية أردنية