الله على ذكرياتك اللي ما تنتسى يا حاراتنا المنسية، ذكريات الصبا والولدنة. فأطلالك لا زالت تذكرنا بكل جميل.

تذكرني تلك الحارات بهويشان الراعي لما كان يروّح وقت الغروب وهو راچب البهيم وقّاط الغنم قُدّامه، لابس صاك الجيش ومعبي إجيابه بلوط عَقْباوي، يتعَربشُوه اولاد الحارة ويصيروا يتشحودوا منه بلوط، وهو ما يبخل عليهم، ويصير يحفن ويعطيهم ويقول لهم قبل ما تِشووه بصوبة الحطب أفغَشوه شوي بسنانكوا مشان ما يفقع بوجوهكوا.

وعند المغربيات تشوف ابو فلاح راچب جَحشه الصليبي قاط الفدان قدامه وتحته خرج مليان إقصيصة وبريد وخبز الراعي وطقيش وإعديسة، ويتمركتوه الصغار وهم يقولوا: يا عموه اطعمنا منه، فلا يردهم خايبين فيعطيهم ما تجود به نفسه ويقول لهم؛ عموه بعد ما تخلصوا منه هاتولي اللي بظل بدي أطعميه للفطايم.

وبناحية اخرى من الحارة تخرج ام عودة من طابون دار الحج عبدالرحمن وعلى راسها مِنْسَفِة خبز كماج ومهايد ريحتها تفحفح وتفتح النفس، وبطريقها تشوف سعدى العواد بتقش بالحوش وحواليها صخلتين إمدللات فتتناول عن راسها إكماجتين ومهيدة وتعطيهن الها وتقول لها: ريته هنا على قليبچ فُتيهن بحليب وحطي عليهن نِدفِة قفار ولا تحرمي حالك منهن.

وبراس النَّتَقَة تشوف عيدة حادرة عالحارة وعلى راسها سطل مي وبأيدها برقية فُخّار معبيتهم من عين إبصاص عبيد، ويتوشعها عوض الإطرم ويقول : جيرة الله وحد الله غير أشيل عنّچ البرقية وأساعدچ يا مَرِة عمي، ويشيل عنها البرقية ويوصلها للحوش، بس هالمسخم صَهَد نص ميات البرقية عالطريق. وهي تقول : ريته هنا وشفا.

وعند المغربيات إتلِد لمشاريق الحارة وما تشوف غير الدخنة مِقطبة ورا بكم الحج موسى اللي يكون إمتلل حشيش من وادي المرج والبغلة مربوطة بالبكم وتركض وراه، وأولاد الحارة يتعربشوا بالبكم، ويمُد الحج موسى راسه من البكم ويقول للأولاد : هو عموه چافوني شركوا، إنعثروا غاد لا تُغقُطكوا البغلة وبعدين تعال قَطّبها.

أم عيسى مِقِبلِة من يم تُكّانة جوزها ابو عيسى التُكّنچي وعلى راسها جونة فيها بيض بلدي وحلاوة وراحة وجعيجبان وإمخشرم، وعلى باب حوش دار ابو فلاح توقف وتنادي : هيه منهوه جوى أفتحوا، وترد عليها ام فلاح : منهوه اللي بنادي، ترد ام عيسى هاظ أني خيّه، ترد ام فلاح : هاظا انا أجيتچ. تفتح أم فلاح بوابة الحوش وترحب بها وتقول : لويش إمغلبه حالچ يا غَبْرا. ترد ام عيسى : إقضبي خيّه هالجونة عني، رقبتي إنقَزعَت، هاظ مش من واجبكوا، هاي طلّة لأبن فلاح إسمعت انه كان إمقشعر، الله يقيمه بالسلامة.

.... الحارات المنسية كانت حارات ضيقة وكل اهلها يعرفوا بعض، لكن أقلوب اهلها كانت وسيعة وتسع كل الناس، وكانت بيضا مثل حليب المعزى، وصافية اصفى من مية الشتا. سقيا لتلك الحارات ولمن عاش بها...