لا شكّ في أنك تساءلت لمَ التواصل مع مَن تحب لا يكون سهلاً أحياناً.

نغفل عن أن نبرتنا العاطفية تسمم جو محادثة مثمرة. يشكّل التمرن على التريث قبل الكلام أداة قوية لتوليد جو ودي للحوار من القلب إلى القلب.

نتوق بتركيبتنا إلى الحب والألفة. تشير نظرية التعلق إلى أننا لا نزدهر ما لم نشعر بالأمان والراوبط العميقة. وتحمل شراكتنا أهمية كبيرة. نود أن يرانا الآخر، ويسمعنا، ويفهمنا. نريد اللطف، والاهتمام، والمحبة.

وعندما لا تُسد هذه الحاجات الأساسية، نشعر بالخطر فنزداد استياء وانفعالاً بما أن رد فعل «المواجهة، أو الهرب، أو التجمّد» ينشط في داخلنا.

فريد معالج نفسي متخصص في المشاكل الزوجية، يقابل غالباً أشخاصاً يُستثارون. يحمل هؤلاء في أعماقهم توقاً لطيفاً ورقيقاً إلى التواصل، كما يقول. لكن ما يُعبّرون عنه عادةَ بعيد كل البعد عن اللطف. تكون النبرة العاطفية التي يتلقاها الآخر جارحة، وعدائية، ومتهِمةً، ومنددة، ما يفسد العلاقة بالتأكيد.

من المؤسف أن نرى الأزواج يبعدون أحدهم الآخر من دون أن يدركوا أنهم يؤذون أنفسهم.

نشعر برضا أكبر عندما نلوم الآخر ونندد به بدل أن نتحمل مسؤولية مساهمتنا في هذه المعمعة. وتشمل الطرائق التي قد نسهم من خلالها في الخلاف وعدم التواصل الانفعال بدل التفاعل. والانفعال هو ما تجيده اللوزة في دماغنا. إنه نتاج ملايين السنين من التطور. ومن دونه، ما كنا نجونا كنوع.

يتفاعل جهازنا العصبي الودي في الحال مع المخاطر الحقيقية والمتخيلة في بيئتنا. عندما يحدق إلينا نمرّ أثناء الصيد، ونركض ونختبئ. في المقابل، يؤدي التفكير المطوّل إلى تحولنا إلى غداء بدل أن نعثر على الغداء.

من المؤسف أن هذا يكون رد فعلنا عندما نشعر بأن إحساسنا بالأمان مع شريكنا مهدد. ربما تعود إلينا ذكرى صدمة انفصال قديمة. أو قد نصد الآخر ونتوقف عن الكلام. قد نلجأ إلى أمان جهاز التلفزيون أو لعبة كمبيوتر. أو ربما يقوم أسلوبنا المفضل على تبني موقف الهجوم، مرددين عبارات مثل: «كيف يمكنك أن تكون أنانياً إلى هذا الحد؟ لا تملك أدنى فكرة! تتمحور المسائل حولك دوماً».

لا تفوح من هذه الكلمات رائحة لطيفة تجذب مَن نحب إلينا. ولا تعكس نبرتنا توقاً هشاً إلى التواصل يُكبت بألم.

ما الحل؟

تشمل الخطوات الأكثر صعوبة، التي قد نُقدِم عليها عندما نُثار، الإبطاء. عندما يستشعر كل عصب فينا خطراً كبيراً، تتملكنا رغبة كبيرة في إطلاق سيل بشع من السموم نحو الشريك من دون أن ندرك تأثير ذلك.

من المحزن أننا لا ندرك غالباً مدى قدرتنا على التأثير في الشريك، الذي يسعى على الأرجح إلى الهدف ذاته مثلنا: التواصل بأمان ومحبة.

لكن المفرح، في المقابل، أننا نتمتع أيضاً بالقدرة على المساهمة في توليد جو من الأمان في علاقتنا. وترتكز الخطوة الأولى نحو هذا الهدف على التريث قبل الانفعال. أدرك أن هذا ليس بالأمر السهل. ولكن إذا استطعنا التمرن على التريث عندما يغلي دمنا، ننجح في خفض الحرارة ونسمح للمسائل بأن تهدأ قليلاً قبل أن نفتح فمنا.

يتيح لنا التريث الفرصة لتجميع شتات نفسنا، وتذكُّر من نكون، وتحقيق سيطرة أكبر على ما يعتمل في داخلنا. هل نشعر بالغضب، أم الاستياء، أم الحزن، أم الألم؟ يسمح لنا التريث بالتنبه لهذه المشاعر وإدراك الحاجات والرغبات الرقيقة التي تنبع منها.

بالإضافة إلى ذلك، يمنحنا التريث الوقت للتعامل برقة مع هذه المشاعر وجعلها تخبو. يسمح لنا بأن نهدّئ من روعنا. وهكذا نصبح بموقف يتيح لنا التنبه أولاً لما نشعر به، ثم التعبير عنه بطريقة مسؤولة، وصادقة، ومتناسقة.

إذا أخذت نفساً، لاحظ الأحاسيس النارية في جسمك وارقص مع هذه النار بدل أن تطلقها نحو شريكك. وهكذا تصبح في موقف يسمح لك بالتواصل مع الآخر والتعبير عن مشاعرك الحساسة. كلما عزّزنا الأمان في العلاقة، نحسّن إلى حد كبير فرص أن تلقى كلماتنا آذاناً صاغية.

من الأسهل سماع عبارات مثل «أنا حزين وأفتقدك حقاً وأود أن نمضي بعض الوقت معاً قريباً» بدل «عملك أكثر أهمية مني. لمَ لا تمضي الليل في المكتب؟».

صحيح أننا نعجز عن التحكم في رد فعل الآخر تجاهنا، إلا أن بإمكاننا بالتأكيد السيطرة على نبرة صوتنا والكلمات التي نختارها.

إذا نجحنا في التريث قبل الكلام، نمنح نفسنا فرصة للتعبير عما يدور حقاً في داخلنا: توق رقيق هش تحت طبقة من الانفعال العنيف. وإذا تمكنا عندئذٍ من استجماع شجاعتنا للبوح بما نشعر به فعلاً، فقد تقلب عملية تواصلنا الرقيقة المسائل رأساً على عقب ويسمعنا الآخر بطريقة جديدة، ما يقدّم لنا التواصل العميق الذي نتوق إليه.

مايك بوندرانت لا لمعاقبة النفس!

قمت بأمر خاطئ، وتتساءل كيف يمكنك أن تسامح نفسك. إذا كنت تعجز عن تخطي الأمر والمضي قدماً، ربما يكون تركيزك موجهاً إلى جزء خاطئ من الصفح عن النفس.

تقول: لا أستطيع أن أسامح نفسي. لست قادراً على تخطي الأمر. أعجز عن ذلك. أظهر لي كيف أسامح نفسي لأنني عالق.

نحن نركز على عدم مسامحة نفسنا، فنعاقبها بذلك بدلاً من مسامحتها. فكر بالأمر. هل تنتقد نفسك مراراً وتكراراً لارتكاب الأخطاء؟ هل تمنعها من القيام بأمور جيدة عقاباً على ما قمت به في الماضي؟ هل تقول لنفسك إنك لا تستحق أن تكون سعيداً؟

يمكنك تسمية كل ما ورد أعلاه «عدم المسامحة»، ولكنه في الواقع يسمى في علم النفس «العقاب الذاتي». فأنت بذلك تعاقب نفسك على أخطاء الماضي، وهو أمر واضح وملموس تقوم به بدلاً من أن تسامح نفسك.

إذا كنت تريد أن تبدأ عملية الصفح عن نفسك، فابدأ بمعرفة حالتك، وإن كنت في حالة العقاب الذاتي. إذا كنت لا تعلم ما تقوم به، فكيف يمكنك التوقف؟ لن يساعدك التركيز على «عدم معرفة كيفية مسامحة نفسك».

يعاقب الأهل الأطفال عبر إحدى هذه الطرائق الثلاث:

التوبيخ اللفظي.

الحجز في المنزل.

العقاب الجسدي (لا أؤيده).

ويتجلى عدم الصفح عن نفسك عبر ثلاث طرائق:

النقد الذاتي (التوبيخ).

حرمان نفسك من المتعة أو الفرص (تقييد).

الضرر الذاتي (العقوبة البدنية).

إنهاء العقاب الذاتي

وحدك تستطيع أن تقرر إن كنت عاقبت نفسك بما فيه الكفاية. يكمن المفتاح في فهم أي قرار عليك أن تتخذه، وفي الوقت الراهن، ما زلت تواصل «عدم الصفح عن نفسك» عن طريق معاقبتها. لذا جرب الاختبار التالي:

لبضعة أيام، وكلما تساءلت عن كيفية مسامحة نفسك، قل لنفسك التالي:

أنا أعاقب نفسي على... أنا أعاقب نفسي عن طريق... ثم ألحق «بيان الحقيقة» بالتالي:

من أجل أن أسامح نفسي، علي أن أقرر التوقف عن معاقبتها. إلى متى أريد أن أعاقب نفسي؟ وإلى كم من العقوبة أحتاج؟ وماذا سيحدث لو توقفت الآن؟

ربما تقرر أنك عاقبت نفسك بما يكفي، أو تخشى أن تتوقف عن معاقبة نفسك، إذ تعتقد أن العقاب الذاتي هو الأمر الوحيد الذي يحفظك على الخط السليم. هذا ليس صحيحاً.

كذلك يمكن أن تعاقب شخصاً آخر عن طريق معاقبة نفسك، فالعقاب الذاتي هو في كثير من الأحيان عقاب لشخص آخر.

في نهاية المطاف، إذا كنت لا تستطيع أن تتوقف عن معاقبة نفسك، عليك أن تدرك أن العقاب الذاتي تخريب ذاتي.

كيف تعالج ألمك العاطفي؟

يترك هجران الحبيب لنا جرحاً عميقاً في نفسنا يؤثر في صحتنا العقلية، علماً أن الطب النفسي لا يعترف بهذه الحالة بشكلٍ كافٍ، تماماً مثل الصدمة المعقدة غير الواردة كتشخيصٍ في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.

أتناول الإساءة النرجسية غالباً، وأحد الأمور التي لاحظتها أنها تتسبب بجرح «الهجران» للضحية. يعتقد الناس أن الإساءة تشمل نوعاً من التعنيف اللفظي أو الجسدي؛ غير أن كثيراً من ضحايا لم يصرخ أحد في وجههم. يعاني بعضهم ببساطةٍ النبذ والتجاهل، ولا يعالج كثير من الاختصاصيين الجروح الناتجة عن الرفض أو الهجران.

ينتج الهجران النفسي عن تخلي بعض الأشخاص المهمين بالنسبة إليك عنك، أو نبذك، أو عدم تقديرك، أو عدم الانتباه إليك. يلحق هذا النوع من الجرح غير المرئي أذى كبيراً بالمتلقي. في الواقع، مصطلح «متلقٍ» ساخرٌ بعض الشيء لأن الأخير في هذه الحالة لا يتلقى أي أمر نافع.

يشكِّل عدم تلقي أي شيء من الشخص الذي تحب نوعاً من الهجران النفسي الذي يؤثر مباشرة فيك. لا يظهر هذا النوع لأحدٍ ويتجاهله كثيرون ضمن الأمور المتعلقة بالتعرض للإساءة، ويشعر الضحايا بأنهم فارغون وغير مرئيين.

ربما لا يفهم ضحايا الإساءة الظاهرة أساساً شعور أن تكون غير مرئي لأنهم يتمنون غالباً الاختباء على أن يكونوا غير مرئيين. غير أن السعي إلى أن تكون غير مرئي بالنسبة إلى الشخص الآخر تصرّف غير صحيح. من الضروري للأشخاص أن يشعروا بأنهم مهمون للآخرين.

كونك غير مرئي بالنسبة إلى من تحب يسبب لك جرحاً وجودياً يدفعك إلى الشعور بأنك غير مهم، وتبدأ بالتساؤل عما إذا كان يحق لك الوجود في الأصل. وجدت البحوث في هذا المجال أن إحدى الوسائل الأساسية التي تجعل الشخص يشعر بأنه غير مهم حين يشطب من قائمة التواصل. يتجلى ذلك في أشكال عدة كالتخاطب بطريقةٍ مجنونة، أو التشبث بالرأي، أو الجدال الكلامي، أو عدم حل مشكلة معينة، أو عدم الرغبة في حل نزاعٍ، أو التجاهل، أو غيرها.

ينتج «العلاج الصامت»، الذي يعتبر أحد أسلحة النرجسيين وغيرهم من المُسيئين، عن أحاسيس تجاهل قوية يشعر بها المتلقي. يشعر بعض الأشخاص بالجرح العميق نتيجة تعرضهم للعلاجات الصامتة فيلجؤون بالتالي إلى استعمال المواد المُسيئة، أو أدوية مضادة للاكتئاب، أو حتى الانتحار للهروب من الفراغ.

بدوره، ينتج الجرح المترتب عن الهجران من غياب الأهل أحياناً. عندما يختار أحد والديك عدم الحضور في حياتك تكون انعكاسات الأمر عليك كبيرة. ما من تفسيرٍ بسيطٍ يقدمه لنا هنا من تعرض لهجران الأهل.

يحاول البعض تقبل الأمر بطريقةٍ إيجابية متجاهلاً عدم وجود أحد والديه في حياته غير أن الجرح يبقى نفسه، وربما يخلِّف آثاراً تدوم مدى حياة الأبناء.

حلول

لكلٍ شخصٍ طريقته في التعامل مع الأمر. يتظاهر البعض بأنه لا يكترث، فيما يبدأ البعض الآخر بالتشكيك في قيمته الشخصية، ويعيش آخرون حالةً من الغضب الدائم علناً.

ثمة حلٌ واحدٌ للشفاء من أي نوع خسارة: الحزن. إن هجرك أحدهم فترة زمنية معينة أو إلى الأبد، فأنت مجروح. والحل الوحيد لشفائك من الجرح النفسي هو أن تعبِّر عن حزنك.

إليك بعض الخطوات التي يمكن اتباعها للتعبير عن حزنك بسبب الخسارة الناتجة عن الهجران:

اكتب رسالةً تعترض فيها على هجرانك. عبِّر/ عبِّري لها/ له عن مشاعر الحزن والغضب والصد والحيرة وغيرها. لن يقرأ أحد الرسالة لكنها وسيلة للتعبير عن مشاعرك.

أكتب رسالةً موجهة إلى أحاسيسك الشخصية. بدلاً من التركيز على من جرحك، عليك التركيز على الأحاسيس نفسها. ركز على مواطن الحزن في جسدك. أرسم صورةً لشعورك. قم بتعريفٍ مبتكر عما تختبره من مشاعر. سامر أحاسيسك.

لا تقمع مشاعرك، بل إذهب إلى أقصى الدرجات في التعرف إليها. كلما سمحت لنفسك بالشعور بالحزن، كلما كانت عملية شفائك أسرع.

بعدما حددت نقاط حزنك واختبرت بعض الأحاسيس، يمكنك القيام ببعض التمارين التصويرية الأخرى التي تساعدك على الشفاء أيضاً وهي:

حدِّد الجزء المتألم فيك. يمكن تسميته بـ«الطفل الداخلي المتألم». إن كان مصدر الجرح طفولتك، فهذا الأمر لا يهم لأن الجرح الناتج عن الهجران سيضعك على الأرجح في حالة ذهنية متردية.

تخيل الآن جزءاً معافى ورحيماً فيك. سيكون فاعلاً في عملية شفائك. على هذا الجزء أن ينقذ نفسك المتألمة عبر توفير الحب والوقت والتعاطف والأمل والدعم.

حدِّد الآليات المتعاونة لديك، أي الجزء الذي يعوِّض عن الجرح الذي اختبرته نتيجة لهجران محبيك لك. حدِّد الأجزاء التي تحاول الاستجابة إلى الألم بطريقةٍ غير صحية.

تحدّث إلى ألمك الداخلي وإلى الطفل المهجور في داخلك. ذكّره بقيمته. كُن حاضراً من أجله بطريقةٍ فعلية وملموسة.

في النهاية، مهما كنت متألماً ومتأثراً بجروحك ما زالت الحياة أمامك لتعيشها. حتى وإن كان قلبك يؤلمك بسبب الاشتياق إلى من تحب، ما زال في إمكانك النجاح في حياتك؛ جِد الأمل والحب وعِش بطريقةٍ سليمة. ستفعل ذلك من خلال تكريم أحاسيسك والاعتراف بخسارتك والتحقق من نتائجها، والاستمتاع بحياتك مهما كان الأمر.