وليد سليمان

منذ فترة وجيزة استقبلت مكتبة شومان معرضاً فنيا صغيراً في مدخل قاعتها الرئيسية.. وكان المعرض الفني هذا فريداً بفكرته ومدهشاً بمواضيعه!.

فقد قام بالاشتراك بهذا المعرض نفرٌ يُسمي نفسه بِـ «فريق الجريدة» المكون من ثلاثة شباب من مادبا: «أبو جورج»، «أبو عيسى»، «أبو موسى» بشخصيات متعددة، يجسدون من خلالها المواقف الفنية المتنوعة بين البدوية والفلاحية والحضرية.. هم منتمون «لمؤسسة مذراة للثقافة والفنون» ومقرها مدينة مأدبا الاردنية.

وكان الهدف من معرض الصور «ترحال» الذي أقيم في قاعة مدخل مكتبة شومان في جبل عمان هو: إحياء الماضي ومناقشة القضايا المعاصرة وبعض مظاهر الحياة من خلال صور وقصص تحمل الطابع القديم!!. بالاضافة الى تذكر وقائع تاريخية ودينية واجتماعية؛ كمقارنة بين الماضي والحاضر... وكل هذا يأتي بقالب كوميدي وساخر.

شخصيات الفريق

ابو جورج: عبدالله الضوات، منخرط في العمل التطوعي والثقافي في مادبا.

ابو عيسى القروي، عبدالله ابو مطر، طالب ثانوية عامة منخرط في العمل التطوعي والثقافي كذلك.

ابو موسى (المتعلّم): محمد عجارمة، كاتب وفنان موهوب يعمل في مجال المسرح من اجل التنمية.

هذا وقد قام هذا الفريق الفني الثلاثي برحلات متخيلة الى أماكن وأزمان واقعية من الخيال الذاتي، حيث جالوا في التاريخ من خلال صورهم الثلاثية الفوتوغرافية الخاصة، مع شرحهم لكل صورة عمَّا قاموا به وذهبوا إليه مع تغيير أزياء ملابسهم حسب كل مكانٍ وزمان.

ففي قراءة صورهم التي كانت باللونين الابيض والاسود نلاحظ ما كان كتبه أحدهم أو جميعهم تحت أو بجانب كل صورة، ومثال ذلك ما يلي:

صورة 1

ففي تلك الصورة كتب أحد الثلاثي ما يلي:

يظهر في الصورة فرحتنا العارمة الممزوجة بالبهاء بتاريخ 1946/4/17م، وذلك عندما تم جلاء القوات الفرنسية عن سوريا، بُعيد انتفاضة الاستقلال الذي يعتبر اليوم الوطني السوري.

واذكر حينها اني كنت انا والرفيق ابو عيسى في الكتاتيب عند شيخنا الجليل «زهران الشامي» الذي علمنا القراءة والكتابة وحفظنا على يده بعضاً من أجزاء القرآن الكريم.

والمُضحك بالأمر أن أبا عيسى حتى هذه اللحظة يخطئ بقراءة الفاتحة، بعد ان قال له الشيخ زهران «إزا ما بتحفزها، رَح نَطِط القرود السود عليك يا كسلان» -ورحمهُ الله كان شديداً وغيوراً-.

وكنت انا قد جئت له برطل الحمص بدلاً من أجرِه، وظل يأكلهُ مسلوقاً حتى انتفخ وجاء ليضربني!! ولكنني في اليوم التالي لم أحضر.

فقد ذهبت الى «ابو جورج» الذي كان يذهب للدير، ليدرُس على يد الراهب في نفس الحارة، وكنت أزورهم هناك لأعرف وأفهم ما يقولونه.. لقد كانت جلسات مفيدة جداً.

الصورة رقم 2

اليوم قصتنا مختلفة عما سبق، ففي مصر الحبيبة عام 1975م، عندما ذهبنا بزيارة اليها بعد ان اشتقنا للنيل العظيم، زرنا الصعيد فألبسونا الجلابية والشال.

واذكر حينها أن أحدهم قال لي: «إنتو النهار ده ضيوفنا، وح نلبسكم كيف محنا عايزين».

وكانت ليلة جميلة جداً، اذ دخننا الجوزة وسمعنا «حواديتهم» كلها خير وفرح وبساطة، وعلى العشاء قدموا لنا الاوز والبط السمين.

وفي الصباح الباكر ذهبنا للقاء صديقي الشيخ إمام، الذي طلب مني ان اكتب لمصر قصيدة ليُغنيها.. واذكر بعدها انني ارسلت له كلمات تقول:

مصر يمّا يا بهيه

يمُ طرحة وجلابيه

الزمن شاب وانتي شابّه

هو رايح وانتي جايه

جايه فوق الصعب ماشيه

فات عليكي ليل وميه

واحتمالك هُوا هُوا

وابتسامتك هِيا هِيا

تضحكي للصبح يصبح

بعد ليله ومَغربيه

تطلع الشمس تلاقيكي

معجبانيه او صبيه با بهيه.

وأرسلتها له مع صديقي الشاعر احمد فؤاد نجم!! الذي نسبها لهُ وكنت ضحكت على هذا وقلت: «المهم تتغنى لمصر يا شيخ»!!!.

الصورة رقم 3

من لا يشكر الناس لا يشكر الله كل الشكر.. والعرفان لفريق مسلسل «بيكي بليندرز» PEAKY BLINDERS المتمثل بصديقي المخرج «توم هاربر» والكاتب «ستيفن نايت» والنجم وصاحب دور البطولة النجم «كيليان مورفي» الذين قاموا بإعادة تاريخنا.. وتنفيذ هذا المسلسل الذي يحكي قصتنا بعد إنتهاء الحرب العالمية.. عندما كُنّا ننشط كعصابة في منطقة سمول هيث في برمنغهام الانجليزية.

كان أبو جورج يلقب بهاري فولز وأبو عيسى ارنست بايلز وأنا أبو موسى كانوا ينادونني توماس.

وكان هناك بعض الأخطاء في المسلسل.. ولكن ليس من المهم التدقيق عليها في هذه الأيام!! خاصة ونحن مطلوبين لوجه العدالة حتى اللحظة.

وهذا ما جعلنا نرفض عرضاً نؤدي فيه المسلسل بدل الشاب الصاعد في عالم «الصياعة» كيليان مورفي وفريقه.

وكنا نحضر أحيانا هُناك لنرى التصوير والعمل.. فتبدأ عيوننا بالبكاء والحسرة على تلك الأيام الجميلة، التي كنّا نلعب فيها بالجنيهات الاسترلينية لعب.

لكننا هذه الأيام نذهب لنأخذ من سجائر الممثلين من شدة الطفر.. ندخن ونغني بصوتٍ واحد: ملعون أبوك يا فقر يا حاوجني للأنذال.. ذليت عزيز النفس عشان عديم المال.. آه لو لعبت يا زهر...تيرريرم... وتبدلت الأحوال!.

الصورة رقم 4

أثناء زيارتنا لوزارة الخارجية عام 1990م وذلك عندما قدمنا لتجديد تأشيرة الخروج من الوطن الى الغربة للعمل هُناك. وفي الصورة يظهر علينا الحُزن لأن السفر قد اقترب موعدهُ.. وكان موظف الوزارة متعاوناً جداً. وطلبنا مقابلة الوزير.. وقد فرح بنا كثيراً وساعدنا للحصول على الاذن بالسفر.

وقد قمت بالتقديم لوظيفة مُعلّم في البرازيل وقُبلت فيها براتب 120ديناراً أردنياً، وهذا ما أسعد أبي.

لكن قالت أمي: «الله يلعن أبو المصاري التي تبعدك يا ضنين عيني»..

وبكيتُ أنا.. وحضّرت لي أمي شنطة السفر والدموع منهمرة على خديها.

وسلامي للأهل والأحبة، نحن في الغربة.

الصورة رقم 5

أتذكر في هذا اليوم الممتلئ بالطاقة واللعب عام 1992م، أنني كُنت قد لعبت بالكُرة الخاصة بي والمكوّنة من جرابة وداخلها صوف.

وقد مثلتُ أنا وأبو جورج وأبو عيسى فريق القرية التي كُنّا نسكنُ فيها.. وفزنا بهدف وحيد.. وانتهت المباراة بسبب دخول واحد من الجمهور إلى أرضية الملعب في العرقوب الذي بجانب بيتنا.. واصبح ينادي ويقول: «يا خرِّيب يا لعِّيب».. فضربهُ أبو عيسى بحجر وانفلق رأسه ثم هرب.. ومسكت انا كُرتي وقلت «ستوب اللعبة، طابتي وما رح ألعِّب حدا بيها!!» وانتهت على هذا.

وفي الليل اجتمع أهل القريتين وتصالحنا وعادت المياه الى مجاريها.

فتلك الأيام لا تُنسى بحلوها ومُرها. ذلك قبل الغربة والشوق الى الوطن.. سلامي للأهل والأحبة.

الصورة رقم 6

ونحن في الطريق الى المطار الى الوطن العزيز عام 1982 نهاية شهر تموز تعطلت الطائرة بسبب قلة الوقود، صحراء أمريكا الجنوبية قاسية الحرارة، نذكر يومها أننا قد مشينا الى مأدبا.. واسترحنا مرة واحدة في أواخر القارة.

سلامي للأهل والأحبة، نحن في الغربة.