...... في منتصف الثمانينيات، كنت فتى صغيرا، وكان لدي طموح بأن أصبح (مطربا).. مثل راغب علامة مثلا، كان لدي طموح بأن أمتلك أغنيات مشهورة.. وتصدر لي ألبومات كثيرة، وتعلق البنات صوري على حيطان غرفهن.. وتجري معي إخلاص يخلف لقاء مطولا حول ألبومي الأخير: (يا ألبك شو ئاسي).. وتسألني إخلاص: كيف تختار كلماتك؟.. وأجيبها بأني في هذا الصدد أتعاون مع الشاعر يحيى السعود كثيرا، وفي الألحان أتعاون مع جيل من الملحنين الشباب.. ومنهم الموسيقار محمد أبو رمان.

كان لدي طموح بأن أشارك في جرش، وأرتدي قميصا لامعا وجاكيت (كشكش) مثل جيل الثمانينيات من الفنانين، فقد كانوا يركزون على اللباس الفاقع، والإسوارة في المعصم.. والسلسلة في العنق.. كنت أريد أن أصعد المسرح الجنوبي بلباس كهذا، ويكون لدي غرة.. وتتهافت البنات من أجل التقاط الصور معي، وترمي بنت إسمها (عواطف) نفسها علي ومن ثم يغمى عليها، وبعد ذلك تنشر شيحان خبرا تؤكد فيه: أن عواطف حاولت الإنتحار لأجل عبدالهادي..

أريد لقاءات كثيرة في التلفزة، وتسألني المذيعات.. لماذا أخذ ألبوم (يا ألبك شو ئاسي) صدى كبير في حين أن البومي الأخير (يا بكاش بحبك) لم يلق نفس الرواج، وأجيبهم بأني في ألبوم (يا ألبك شو ئاسي) كنت أمر بتجربة عاطفية عنيفة.. وكان هذا الألبوم، نتيجة إرهاصات هذه التجربة.. وينفضح السر في الإعلام الذي يؤكد علاقة حب بيني وبين ليلى علوي استمرت لعام، ولكنها انتهت.. ويؤكد الإعلام في ذات السياق أن ليلى اعتزلت الفن، ومازالت تعيش تعب العلاقة بعد أن اكتشفت بأني خنتها.

أريد أن يغار مني الرجال، ويتهمونني بأني لوثت الذوق العام، ويعلق أحدهم علي بجملة (مايص).. وأريد هجوما كاسحا يطالني في الصحافة، ويطلب كاتب من الحكومة بأن تمنع ظهوري على التلفاز، للمحافظة على قيم هذا المجتمع ويتهمني بأني.. خدشت الحياء العام، وصرت معبود المراهقات.. وأنا طبعا لا أرد عليه بحجة أن هذه الفئة من الناس لا تفهم معنى الفن الراقي.

كنت أظن أن مرحلة الثمانينيات، كانت المرحلة التي بدأت فيها القيم تنحدر.. وأن المجتمع انقسم وترك زمن المواجهة والتحشيد وانشغل، بالفن واللهو والطرب.. لكني لم أعرف أنا سنصل زمنا.. تنهار فيه القيم تماما.. ويصبح الإنسان منقسما على نفسه، وعدوا لذاته.. وتصبح الأوطان مجرد أغنية، تدندن بها حين تشعر بالتعب.

مجرد أغنية، لا تعرف من كتبها.. وتجهل من لحنها، ولكنك تدندن بها كل يوم..

Abdelhadi18@yahoo.com