أبواب - ندى شحادة



لا تزال قصة المزارع الذي كان يمر في كل يوم من قرب بئر مهجورة حاضرة في ذهن الكثيرين، فذلك المزارع كان يردد في كل يوم بأنه سيردم البئر حتى لا يسقط فيها أحد، إلا أن التسويف كان سببا في سقوط ابنه داخل البئر فيلقى حتفه غريقا.

قصة ترددت على مسامعنا حينما كنا صغارا، وتعلمنا منها درسا بأن التأجيل والتسويف في اتخاذ القرار في الوقت المناسب يؤدي إلى نتائج وخيمة في كثير من الأحيان ليغدو ذلك القبر الذي نواري فيه أحلامنا وطموحاتنا في الحياة، والقصة ذاتها تجعلنا نتمسك بالحكمة القائلة «لا نؤجل عمل اليوم إلى الغد».

وذكرت دراسة حديثة أجراها مؤخرا معهد التنمية البشرية الفلسطيني حول ظاهرة التسويف وتأجيل الأعمال أن:«المماطلة والتسويف واختلاق الأعذار من أكثر الأمراض خطورة بل العدو الأول لإدارة وتنظيم الوقت واستثماره بالشكل الأمثل، فلا يكاد المسوف يبدأ في عمل أو مهمة إلا ويتركها مختلقاً الأعذار، ويسوق مبررات لا يقتنع هو نفسه بها، بل ويحاول أن يقنع الآخرين بها».

وبينت الدراسة أن:«أسوأ ما في المماطلة هو تحويلها لنمط من الحياة قد لا نشعر به لكونها عادة سلبية لا تؤدي إلا لمزيد من الضغوط والمشكلات، ونظرا لأن المسوف او المماطل يقوم بتأجيل كل شيء فإنه لا يتم أداء أي شيء، وإن تم أداؤه فإنه يكون مبتورا وناقصا وغير مكتمل».

وتعرف الباحثة في علم النفس التربوي والذكاءات المتعددة الأستاذة مي صالح قطاش التسويف بأنه:» مرض منتشر في عصرنا بشكل كبير، ويعني أن تقوم بمهمة ذات أولوية منخفضة بدلا من إنجاز مهمة ذات أولوية عالية وذلك بتأجيل وأداء المهام والمشروعات حتى الغد أو بعده عن طريق اختلاق الأعذار، ونظرا لأنه يتم تأجيل كل شيء فإنه لا يتم أداء أي شيء، وأن تم أداؤه فإنه سيجيء مبتورا وناقصا وغير مكتمل، ومن ثم يبدأ الإنسان ينتقل من أزمة لأخرى وتكون المحصلة عدم إنجاز أو إتمام أي شيء بالكفاءة والدقة المطلوبتين».

وتبين أن:«الخوف الدائم من الفشل، وترك العنان للتفكير من أهم أعراض التسويف، بحيث تأخذنا الأحلام أو الذكريات بعيدا عن العمل أو المذاكرة مثل التفكير في الإجازة، أو استرجاع ذكريات سابقة أو التفكير بالنوم إلى جانب الإستجابة طواعية للعوائق التي تحول دون إنجاز العمل مثل سيل المحادثات التلفونية اليومية، أو الجلوس لفترات طويلة على الإنترنت لا سيما ومتابعة التلفاز لفترات طويلة».

وتشير قطاش إلى أن:«علماء النفس يرون أن سبب ضعف تقدير الذات وتقليل قيمة الشخص لنفسه من أهم المسببات النفسية للتسويف، ويكثر بين الأشخاص المنهزمين نفسيا».

وتلفت إلى أن :«المسوفين عادة ما يكون لديهم مستوى أقل من غيرهم في الاجتهاد والهمة وجنوح للأحلام والأماني في تحقيق الكمال والإنجازات مما يدل على غياب الواقعية في تقديرهم لواجباتهم وكذلك في تقديرهم لما هو متوقع من أمثالهم ».

وتقول:» هناك أسباب أخرى للتسويف كتأجيل المهام غير المحببة، فعدم السرور والإرتياح من أداء بعض المهام يقود الإنسان إلى تأجيلها، وهذا يؤدي إلى تراكمها ومضاعفة عدم السرور في أدائها، كما أن عددا كبيرا من الأشخاص يلجأون إلى تأجيل المهام الصعبة لعدم معرفتهم بكيفية البدء السليم بتلك المهام».

وتتابع :«الخوف من الفشل عادة ما يكون أسوأ من الفشل نفسه، فالفشل ليس أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان، والأشخاص الذين لا يقدمون على المحاولة فشلوا من قبل أن يبدأوا».

وتضرب مثلا على ذلك :«عندما يتعلم الصغار المشي فإنهم يقعون مراراً وتكراراً ويكون السقوط ليس إخفاقاً بالنسبة لهم؛ بل نوْعٌ من التعلم، فإذا نال اليأس منهم، لن يقدروا على المشي مطلقاً».

التسويف والشريعة

ويبين أستاذ الشريعة الإسلامية أنس الكسواني أن الله عز وجل حذرنا من أن تدركنا الندامة جرّاء التسويف فيتمنى المرء أن يعود إلى الحياة الدنيا مرة أخرى حتى يدرك عملاً صالحاً ينجيه من أهوال ما بعد الموت، قال تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ» المنافقون:10.

ويتابع: «وورد في السنة النبوية أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» رواه البخاري.

وحول كيفية التغلب على التسويف وتأجيل الأعمال توضح قطاش أن:«أسهل طريقة لمعالجة المماطلة هي ألا ندعها تبدأ من الأساس ولكن إذا تسللت إلى حياتنا فعلينا تجاوزها بالعزيمة والتوكل على الله تعالى، وتربية النفس تربية حسنة على التزام أوقات الأعمال، (فإذا عزمت فتوكل على الله)».

وتضيف: «من الحلول الواقعية أن تكون للإنسان مذكرة يسجل فيها كل ليلة جدول أعماله للغد، وأن تتضمن برنامجا يوميا وأسبوعيا وشهريا وسنويا، لتحديد العمل الواجب انجازه، والتزام الإنسان بما اتفق به مع الآخرين على انجازه، وألا يسوف، فهذه من الأمور العملية البسيطة التي لا تحتاج إلا أن يحمل الإنسان نفسه على الالتزام بها».

وتذكر أن :«علينا أن نضع أهدافا نفكر فوراً في تنفيذها، وأن نقسم العمل إلى خطوات سهلة وعملية، نحدد له وقت معين لإنهائه، ومن ثم نجعل لأنفسنا حوافرا تدفعنا لإنجاز أهدافنا».

ويبين أخصائي التنمية البشرية المهنية المصغرة الدكتور محمود أمجد الحتاملة أن هناك حيلا نفسية يمكننا القيام بها للتغلب على التأجيل، كالتأمل فهو يعد من الأساليب التي تساعد الإنسان على عدم التأجيل لأنه يفرغ الضغوط النفسية من حياتنا أولا بأول، كما أن الإسترخاء وممارسة الرياضة البدنية بانتظام أنشطة تقوي المناعة ضد التأجيل.

ويذكر أن:«العلماء وجدوا بأن الذين يعيشون في الحاضر هم الأكثر عرضة للتسويف، فهم ضعفاء أمام المغريات عموما، ولهذا علينا أن نفكر في المستقبل بشكل أكبر».

ويدعو الشخص المماطل إلى:«أغماض عينيه وتخيل نفسه بعد عشرة أعوام، والتفكير في الصورة المثالية التي يريد أن يكون عليها»، فمن وجهة نظره بأن ذلك سيكون ذلك دافعا للتخلص من التسويف الذي يؤجل سعي الانسان نحو أحلامه.

ويشدد الحتاملة على أن :«تقدير الذات من أهم دعائم الصحة النفسية، فلا يجب أن تكون قاسيا في إصدار الأحكام على نفسك ولا تحكم عليها بمقاييس الآخرين أو بمقاييس فوق طاقتك، بل كن صديقا لنفسك لا عدوا لها فهذا يساعد على تخطي التسويف».