يقولون الحديث ذو شجون.. والشجون التي نحن بصددها تداعت ذهاباً إياباً يميناً يساراً صعوداً هبوطاً متفرعة من جذر واحد.. جذر قد يتحلى باللّين أو بالصلابة وما ينتجه من سوق وفروع وأغصان وثمار تحمل جينات الجذر الأصلي من لين وقسوة وما بينهما مكررين قول سيدنا علي رضي الله عنه: «لاتكن لينا فتُعصَر ولا تكن قاسياً فتًكسَر»..

فالقسوة بصلابتها واللين بطراوته ينعكسان سلباً على صاحبهما وعلى المحيطين من حوله..

وكيف لا؟

فالتصلب بالرأي يخلق ديكتاتوراً متسلطاً على الصعد كافة بعكس الليّن الناعم المتنازل عن رأيه دوماً مما يسبب ترهلاً أسرياً واجتماعياً فما بال الترهل العملي من إداري ومالي وما يتبع!

والحل؟

الحل يكمن بالتطبّع بالمرونة العقلية فكراً وحواراً وسلوكاً وفعلاً لتخرج بمحصلة إبداعية من جهة، وديمقراطية إيجابية من جهة أخرى..

قد يعترض البعض: الديمقراطية تفتح المجال للتمرّد على الطرف المرِن فاتحة المجال لتنمّر الديكتاتوريين المتسلطين! ولهذا - من وجهة نظرهم - «الديكتاتورية بفكرها المتسلِّط هي الحل» !

فنجيب بدورنا: ربما ولكنه حلٌّ مداه قصير، فتراكمات الديمقراطية على المدى البعيد هي الأكثر استدامة لأنها تنبثق عن فكر مرِن يأتي بحلول مرِنه تتشكل لتناسب «أواني» المشاكل العالقة والقضايا المطروحة المتكاثرة المتطلبة لمرونة عقلية تولّد حلولا ناجعة تتماشى مع متطلبات اللحظة ذاتها.. وهذا لا يتسنّى لأصحاب التفكير الصلب القاسي المتشدد على الصعد الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.. الخ علماً بأنّ المجتمعات المتمتعة بالمرونة العقلية هي الأكثر"إبداعاً» وبالتالي الأكثر إنجازاً وتقدماً..

فالمرونة هي إحدى المهارات الأساسية التي يتحلى بها كل مبدع بإبداع يتم وصفه (على أنه قدرة الفرد على الإنتاج إنتاجاً يتميز بأكبر قدر من الطلاقة الفكرية، «والمرونة التلقائية»، والأصالة، والتفاصيل). فمرونة التفكير هي «مهارة مطلوبة» لتحريك العقل وبنات أفكاره باتجاهات متعددة بعكس التفكير الصارم المحدَّد باتجاه واحد.. المتقوقِع على ذاته المنغلِق الرافِض لأي ضوء والمنغمس دوما بالعتمة.. عتمة الجهل !

فما أحوجنا الى تدريب الأجيال الصاعدة على المرونة الفكرية الذاتية بهدف مساعدتهم على تنمية ابداعهم وحلولهم الابداعية، فكما ان المرونة الجسدية تجعل الجسم يتثنى ويتلّوى بسهولة بكل الإتجاهات وتحتاج الى تدريب يهرع اليه الجميع بجد واجتهاد بالصالات الرياضية..كذك المرونة العقلية..فالتمرين مطلوب بالحالتين: لاكتساب مرونة الجوهر والمظهر معاً.. «الجوهر أولا».. وبخاصة عند الأجيال الصاعدة! فحذار من التصلّب بتشدّدِه وتطرّفِه ورفْضِه، فهو أساس كل علّة!

فما أحوجنا إلى إزالة الصدأ المعرقِل لمفاصل المرونة.. وما أحوجنا إلى التخلص من الصمغ المحيط بها.. فلا فائدة من الارتقاء بالتمارين والتدريبات الجسمية لضخ المرونة بمفاصل الجسد إنْ لم نستطع قبل اي شيء آخر فكفكفة «المفاصل العقلية» المكربجة كي تسمح للتفكير بالتدفق والانسياب.. بكل مرونة وسهولة!

hashem.nadia@gmail