قيل الكثير من الحديث وكتب الغزير من المقالات حول البنية الأبوية للمجتمع العربي، باعتبارها المانعة لقيام نموذج الدولة الوطنية السيادية، حتى اتجه عديد المفكرين نحو الحديث عن تعارض الأمة والدولة في السياق العربي، متأثرين بالتجارب الأوروبية التي عبرت الدولة فيها عن الأمة وجسدتها عمليا. وفي الواقع أن الدولة الوطنية السيادية المركزية لا تتعارض بالضرورة مع البنى الاجتماعية العصبوية والطائفية والاثنية التي لا تكاد أي من بلدان العالم تخلو منها. واثبتت التجارب أن الدولة الوطنية تشكل ضمانة حقيقية لضبط التناقضات والتصدعات، وذلك لكي تطمئن الدولة –أية دولة- لاجراءاتها الاحترازية ومفاعيلها البنائية لدرء الفتنة والتصادم والانقسام.

دلت التجربة الأوروبية على أن الدولة الوطنية بما قامت عليه من هياكل ادارية ومؤسسات قانونية، نجحت في توحيد البلدان ومنحتها هوية قومية مشتركة، واثبتت بأن الوحدة القومية، التي تعبر عن التجانس والتماثل، ليست المقوم الموضوعي الأمثل لقيام دولة وطنية صلبة، اذ ان الأمة الواحدة قد تنتشر على مساحات كيانات سياسية متعددة. أما المناداة بوحدة العرب واندماجهم في كيان واحد متمدد جغرافيا من الثغور الى الثغور، فقد اضحت غنائية حالمة، النزعة العقلانية غائبة عنها والواقعية الموضوعية منتفاة، امام تولد القناعة بأن مشروع الوحدة العربية لا يمكن ان يتحقق بالقوة ولا بالتوسع، وربما اعتبر متشائما ان قلت بان مثل هكذا مشروع هو بمثابة طموح طوبائي غير قابل للتحقق، ولو على المدى المنظور والمعطيات الراهنة على الأقل. فما أحرانا نحن العرب بالقيام بمراجعة هذه الفكرة على أسس جديدة ورؤى حديثة.

علما أنه تبعا لذلك التحول فقد تحولت القضية الفلسطينية الى بؤرة صراع حضاري مع الغرب، وهو الميال عادة الى الطرف الآخر، ولا يتوقع منه غير ذلك، ولا حتى ان يقف موقفا محايدا نزيها، فتعقدت ادارة هذه القضية، واتجه الاهتمام العربي بفلسطين منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي من منطق الحرب والصراع المسلح الى منطق السلام والتفاوض، وأصبح من المطلوب اعادة رسم اطار عملي فعال للقضية الفلسطينية، وتحديد الأدوات والآليات لادارة الموقف الفلسطيني خاصة والعربي عامة، وخاصة بعد ان أدت المعادلة العملية التي كرسها الاحتلال على الأرض الى استحالة قيام دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة متلاحمة الأطراف. هذا بالاضافة الى انه اذا نظرنا الى الجوار الاسلامي الجغرافي، والمتصل بايران وتركيا، كقوتين أسلاميتين تنتميان لمنظومة الشرق الأوسط بمفهومه الواسع، مع تغير المرجعية الأستراتيجية لكل من أيران باتجاه المنظور الاسلامي بدلالته الطائفية الثورية، وتركيا بدلالته الجيوسياسية الأيديولولجية أي العثمانية، واذا حاولنا الربط بين هذا الجوار والمسألة الدينية، وخاصة بما يشهده وطننا العربي من تصاعد موجة التطرف الديني مما اشاع الكراهية ونشر الغلو وزاد من التشدد، بالاستناد لاتجاهات ماضوية تدعي الشرعية الدينية، نجد ان ثمة اهمال للمستقبل وعدم الوفاء باستحقاقاته، في الوقت الذي يحتاج فيه العرب النظرة الاستشرافية الحية التي تصيغ التاريخ من جديد وتزيد من فاعلية الانسان العربي وارادته الحرة.