«سوزان كين» مؤلفة هذا الكتاب بعنوانه الطويل (الهدوء وقوة الانطوائيين في عالم لا يكف عن الكلام) هي شابة من أسرة انطوائية، تنتمي إلى ذلك الطراز من الشخص الذي لا يحب الأجواء الاجتماعية الصاخبة، والذي يجد نفسه في أفضل أحواله حين يمارس نشاطه بشكل منفرد، يستمتع بالعزلة، وينجز أعماله بشكل أفضل حين يكون منفرداً، ويفكر جيداً قبل أن يتكلم، ويمقت النزاعات والصخب والمقاطعات!!.

وقد عانت سوزان كثيراً في حياتها من العالم الذي صُممت منشآته بطريقةٍ لا تناسبها ولا تناسب أمثالها من الانطوائيين الذين يشكلون ثلث البشر تقريباً!! فقامت بتأليف كتابها هذا، بعد بحث طويل وتفكيرعميق في شأن الانطوائيين، هذا الطراز المظلوم من البشر!.

فالكثير من المؤسسات المهمة مصممةٌ للانبساطيين، الطراز المحظوظ من الناس، فمقاعد الصفوف في المدارس ترصّ بطريقة تساعد على التعلم الجماعي، وتصميم الكثير من بيئات العمل غير ملائم للانطوائيين، فهي عبارة عن مكاتب مفتوحة على بعضها، دون جدران ولا عوازل، كما أن المهارات الاجتماعية تعد من أكبر مؤهلات العمل، وتقدّم حتى على المهارات الفنية في أحيان كثيرة.

وعلى المرء لكي ينجح في العمل أن يكون انبساطياً، جريئاً، وربما استعراضياً، والمؤلفون الذين كانوا يعتبرون ميالين للعزلة، يجري فحصهم من قبل وكالات الدعاية للتأكد من جاهزيتهم لبرنامج حواري!.

في هذا الكتاب الذي يحتوي ٤٠٠ صفحة من الحجم الكبير، تدرس المؤلفةُ نقاط القوة لدى الشخصية الانطوائية، وعن الفائدة التي يجنيها العالم من وجود الانطوائيين، الذين بوسعهم قيادة التغيير.

وقد أوردت المؤلفة كثيراً من الدراسات التي تظهر نتائج غير متوقعة، مثل: عدم فاعلية تقنية العصف الذهني، وإمكانية قتل التعاون للإبداع في حالات محددة، وثمة الكثير مما يثير الاهتمام حول المزاج وارتباط الجينات، وعن فجوة التواصل بين الانطوائيين وغيرهم.

وتقول المؤلفة إن ما معدله ثلث إلى نصف الأمريكيين يندرجون ضمن تصنيف الانطوائيين، أي بمعدل شخص واحد من كل أثنين أو ثلاثة أشخاص.. وعلى اعتبار أن شعب الولايات المتحدة يُصنفون على أنهم من أكثر الشعوب انفتاحا، فلا بد أن معدل الانطوائيين يرتفع في مناطق العالم الأخرى!..

فإذا شعرتَ بالمفاجأة من هذه الإحصائية، فمردّ ذلك على الأرجح أن كثيرا من الناس يتظاهرون بالانفتاح.

فالانطوائيون غير ظاهرين للناس ويمرون بينهم مرور الكرام ودون أن يلحظهم أحد، وذلك في الملاعب والمدارس الثانوية والشركات الكبرى وغيرها.

ويظل بعض الناس ينكرون عن أنفسهم هذه الطبيعة إلى أن يصدمهم حدث من أحداث الحياة–كالتسريح من العمل أو البيت الذي يرحل منه الأبناء أو ميراث يخلق لهم وقت فراغ ليفعلوا ما يشاؤون- ليجبرهم على توصيف حقيقة طبائعهم.

وما عليك إلا أن تثير هذا الموضوع مع أصدقائك ومعارفك لتكتشف أن الانطوائية تكمن في أكثر الأشخاص الذين لا تتوقع فيهم ذلك.

إن من المنطقي أن كثيرا من الانطوائيين يتخفّون حتى عن أنفسهم. فنحن نعيش في ظل نظام قيمي أُطلق عليه نظام «المنفتح المثالي» فثمة اعتقاد شمولي بأن الذات المثالية تتصف بالاجتماعية والبروز القيادي والارتياح في التواجد في بؤرة الحدث.

ويفضل الشخص المنفتح الحقيقي؛ الفعل على التأمل والمجازفة على الملاحظة واليقين على الشك. فهو يميل نحو القرارات السريعة حتى بالمخاطرة بوقوعه بالخطأ، وهو يتحرك بشكل حسن في العمل الجماعي ويحسن التواصل الاجتماعي مع أفراد المجاميع.

إننا نود الاعتقاد أننا نقدّر الشخصية الفردية، لكننا غالبا ما نعجب بنمط واحد من الأفراد, النوع الذي يرتاح من كونه «الشخص الذي يبادر بمساعدة الآخرين وإن لم يطلبوا ذلك».

ونحن نسمح بلا شك للأشخاص المنفردين الموهوبين تقنيا، ممن يشرعون مثلا بأعمال شركاتهم في مرائب سياراتهم، بأن يتسموا بأي شخصية يرغبون بها، لكنهم الاستثناء وليس القاعدة، وقبولنا يمتد أساسا لأولئك الذين يجنون ثروات طائلة أو الذين يَعِدون بذلك.

وتُعد الانطوائية حاليا–إلى جانب شقيقاتها الأخريات كالإحساس الرقيق والجدية والخجل- سمة من سمات الشخصية ضمن الدرجة الثانية، وتقع بمنطقة ما بين الشعور بخيبة الأمل والخلل والاضطراب المرضي. والانطوائيون الذين يعيشون تحت ظل نموذج المنفتح المثالي هم كالنساء اللاتي يعشن في عالم الرجل، فهم عرضة للتجاهل بسبب سمة شخصية تكمن في أعماق كينونتهم. في حين تعد الحالة المنفتحة من أنماط الشخصية شديدة الجاذبية، لكننا حوّلناها إلى معيار نموذجي ثقيل ومرهق يشعر معظمنا بوجوب التوافق معه.

وقد وثّقت دراسات وأبحاث عديدة نموذج المنفتح المثالي، وبالرغم من ذلك فإن هذه الدراسة لم تُصنّف قط ضمن مجموعة بعينها وتحت اسم معين. فالأشخاص ذلقو اللسان (الثرثارون) على سبيل المثال يُصنفون على أنهم أذكى وأفضل مظهرا وأكثر إثارة للاهتمام وأشد جذبا للأصدقاء. ودرجة سرعة الحديث تحتل قدرا من الأهمية إلى جانب جهارة الصوت: فنحن نصنف الذين يتحدثون بسرعة على أنهم أكثر كفاءة وجدارة بالمودة من الأشخاص البطيئين بالكلام.

وتنطبق ذات الديناميكية على المجاميع، حيث يبيّن البحث أن طلاقة اللسان تعد مظهرا أكثر ذكاء من التحفظ وقلة الكلام–حتى وإن كانت درجة العلاقة المتبادلة بين الثرثرة والأفكارالجيدة درجة صفرية.

لكننا نرتكب خطأً فادحا بقبول نموذج المثالي المنفتح هكذا دون تمحيص أو عميق تفكير.

فثمة جملة من الأفكار الإنسانية الإبداعية والفنون الجميلة والمخترعات التقنية منذ عصر نظرية التطور مرورا بلوحة زهرة عباد الشمس لفان جوخ, وانتهاء بالحاسوب الشخصي- نبعت من أناس هادئين ومتعقلين أدركوا كيف ينسجمون في أعماق عوالمهم الداخلية وعرفوا كيف يستخرجون الكنوز الكامنة فيهم.

وكان العالم سيخلو من المنجزات التالية لولا إسهامات الانطوائيين مثل:

لنيوتن. نظرية الجاذبية-

لآنشتاين. -النظرية النسبية

-قصيدة و. ب. لييتس.

المجيء الثاني. -مقطوعة تشوبان الموسيقية

.-رواية مارسيل بروست بحثا عن الزمن الضائع

- روايتا جورج أورويل 1984 وحديقة الحيوانات.

.-كتاب الأطفال «القطة ذات القبعة

.-رواية وفيلم هاري بوتر

وقد كتب الصحفي المتخصص بالشؤون العلمية وينفريد غالاغر في هذا الإطار التالي:

» تتجسد عظمة النزعة النفسية التي تتوقف عن التفكير بالبواعث والحوافز، بدلا من التسرع بممارستها، بارتباطها الطويل بالانجازات الفنية والفكرية.. فمعادلة تكافؤ المادة والطاقة وقصيدة الفردوس الضائع الملحمية لم يضعهما على عجالة شخص متيّم بالحفلات العامة.

بل إن حتى في المهن التي لا يظهر فيها أثر واضح للانطوائيين كالتمويل والسياسة والنشاط العام، تحققت قفزات نوعية للأمام بناء على جهودهم.

وهناك شخصيات كإليانور روزفلت, وآل غور, ووارين بوفيت, والمهاتما غاندي, بالإضافة إلى روزا باركس, لم ينجزوا ما أنجزوه إلا بسبب إنطوائيتهم!!!.