عمان - الرأي

أطلق صندوق النقد العربي سلسلة بحثية دورية جديدة بعنوان «موجز سياسات»، تستهدف دعم عملية صنع القرار في الدول العربية من خلال توفير إصدارات بحثية موجزة تتطرق لأبرز الأولويات والموضوعات ذات الاهتمام بالنسبة للبلدان الأعضاء مصحوبةً بتوصيات لصناع السياسات.

وتطرق العدد الثالث من هذه السلسلة إلى موضوع «العدالة الضريبية»، حيث أشار إلى أن مفهوم العدالة الضريبية يتمثل بـ «مساهمة دافعي الضرائب بنصيب عادل في تمويل النفقات العامة» و«مراعاة تحقيق العدالة في توزيع العبء الضريبي بين الممولين»، موضحاً وجـود نوعـين من العدالة الضريبية استنـاداً إلى مبدأين أساسيـن وهـما مبدأ المنفعة، والاخر القدرة على الدفع.

وبحسب مبدأ المنفعة، تتمثل عدالة النظام الضريبي في مساهمة كل ممول خاضع للضريبة في الحصيلة الإجمالية للضرائب بما يتوافق مع ما يحصل عليه من الخدمات والمنافع العامة التي تقدمها الدولة. أما حسب مبدأ القدرة على الدفع، هناك مفهومان للعدالة الضريبية، يتمثل المفهوم الأول في العدالة الضريبية الأفقية وتعني «تحمل المكلفين ضريبياً الذين تتساوى قدرتهم على الدفع نفس العبء الضريبي»، فيما يتمثل النوع الثاني في العدالة الضريبية الرأسية، ويقصد بها «تباين واختلاف معاملة المكلفين ضريبياً حسب مقدرة كل مكلف منهم على تحمل العبء الضريبي»، وهو ما يستلزم تصاعد المعدلات الضريبية (Progressive taxes) بما يتوافق مع مبدأ القدرة على الدفع.

ويستلزم التحول نحو عدالة النظم الضريبية بشكل عام المزيد من الاعتماد على الضرائب المباشرة ممثلةً في ضريبتي الدخل والشركات وفقاً لنظم ضريبية تصاعدية حسب مستويات الدخل والثروة مقارنة بالضرائب غير المباشرة التي يتحمل عبئها المكلفون بدون التمييز فيما بينهم وفقاً لقدرتهم على تحمل العبء الضريبي. كما يمتد مفهوم التحول نحو العدالة الضريبية ليشمل كذلك الإعفاءات من الضريبة بما يأخذ في الاعتبار الأعباء الشخصية والعائلية التي يتحملها الممولون، إضافة إلى التمايز في المعدلات الضريبية تبعاً لنوع الدخل والنشاط، وهو ما يعني أن مفهوم العدالة الضريبية في المالية الحديثة قد اتسع بشكل يتجاوز فيه مفهومها في إطار الدور التقليدي للمالية العامة. يشوب عملية قياس العدالة الضريبية قدر من الصعوبة والتعقيد نظراً لعدد من الأسباب من بينها التداخل ما بين مبدأ المنفعة ومبدأ القدرة على الدفع وكذلك اختلاف الأساس المرجعي للقياس وما إذا كان يتم الاعتماد على المقارنة ما بين العبء الضريبي ومستوى الدخل فقط أم يمتد ذلك ليشمل أيضاً أثر الثروة. من جانب آخر، فإن محاولات قياس العدالة الضريبية الرأسية من خلال النظر فقط إلى مؤشر مدى تصاعد النظام الضريبي يواجه أيضاً بعدد من التحديات. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتحقق العدالة الضريبية حتى في حالة وجود نظام ضريبي نسبي (Proportionate) أو حتى تراجعي (Regressive)، إذا ما تم استخدام الإيرادات الضريبية لدعم الأسر والفئات ذات الدخل المنخفض بما يساعد على تحقق عدالة النظام الضريبي كما هو الحال في بعض الدول مثل نيوزيلندا.

أوضح العدد الثالث من موجز سياسات الصادر عن صندوق النقد العربي أن الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلدان العربية خلال السنوات الماضية استدعت مزيداً من التركيز على الإصلاح الضريبي بهدف زيادة الحصيلة الضريبية في إطار برامج الإصلاح المالي واسعة النطاق التي تم تنفيذها لتحقيق الانضباط المالي والاستدامة المالية. وركزت الإصلاحات على تنويع مصادر الإيرادات في الدول العربية المُصدرة للنفط وعلى توسيع القاعدة الضريبية ورفع كفاءة التحصيل الضريبي إضافة إلى تحقيق العدالة والكفاءة الضريبية في الدول العربية المستوردة للنفط. تأتي أهمية هذه الإصلاحات في إطار الحاجة إلى تعزيز الإيرادات العامة في الدول العربية لاسيما في ضوء تراجع الحصيلة من الإيرادات النفطية بداية من عام 2014، وما استتبعه ذلك من ضرورة وجود مصادر ضريبية أكثر استقراراً لتمويل الانفاق العام، علاوة على الحاجة إلى رفع مستوى العبء الضريبي في الدول العربية (مقاساً بنسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية) لاسيما على ضوء انخفاض العبء الضريبي إلى 8.3 في المئة في عام 2018، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 14 في المئة بما يستدعي التركيز على تنمية الحصيلة الضريبية ولكن في إطار داعم للعدالة الاجتماعية.

فيما يتعلق بعدالة توزيع العبء الضريبيعلى مستوى الدول العربية كمجموعة، يلاحظ من واقع هيكل الإيرادات الضريبية لعام 2018 حدوث تحسن في مستويات العدالة الضريبية في الدول العربية وفق أحدث البيانات بما يعكس أثر الإصلاحات المالية التي تم تبنيها في الآونة الأخيرة. في هذا السياق، ارتفعت الأهمية النسبية للضرائب المباشرة على الدخل والارباح لتشكل نحو 40 في المئة من مجمل الإيرادات الضريبية على مستوى الدول العربية كمجموعة مقابل نحو 27 في المئة فقط في عام 2014، في حين تراجعت الأهمية النسبية للضرائب غير المباشرة التي تتسم بقدر أقل من العدالة الضريبية حيث تفرض على مبيعات السلع والخدمات دون التفرقة بين المُكلفين حسب مستوى الدخل حيث انخفضت نسبتها لتشكل 60 في المئة من مجمل هيكل الإيرادات الضريبية في عام 2018 مقارنة بنحو 73 في المئة في عام 2014.

في هذا الإطار، أشار الموجز إلى تجارب بعض الدول العربية والإصلاحات الجاري تنفيذها خلال الأفق الزمني 2019-2020 لتحقيق العدالة الضريبية. ففي الأردن، تم إقرار قانون ضرائب الدخل الجديد الذي يأتي لتحقيق مبدأ العدالة الضريبية والتكافل الاجتماعي، وعدم تحميل أي ضرائب إضافية على الفقراء ومحدودي الدخل والالتزام بمبدأ التصاعدية والعدالة الاجتماعية. في تونس، باشرت الحكومة تبني إصلاحات لضمان العدالة الضريبية في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي. في هذا الإطار تم إصلاح شامل وعميق للمنظومة الضريبية لوضع نظام ضريبي مُبسّط وعادل وأكثر فاعلية وتطوراً. أما في السودان، تتضمن الإصلاحات المدرجة في موازنة العام المالي 2019 عدد من الإجراءات في جانب الإيرادات التي تستهدف زيادة الإيرادات العامة بنسبة 41 في المئة من خلال تبني عدد من السياسات والتدابير من بينها: مواصلة جهود الاصلاح الضريبي لزيادة الكفاءة والعدالة الضريبية من خلال معالجة التشوهات الضريبية، وتوسيع القاعدة الضريبية، والعمل على إدماج القطاع غير الرسمي في المظلة الرسمية، وتحقيق عدالة توزيع العبء الضريبي، وخفض معدلات التهرب الضريبي.

في الجزائر، تقوم استراتيجية الإصلاح الضريبي على السعي إلى تحقيق عدالة توزيع العبء الضريبي على المواطنين وبحيث يلتزم كافة المكلفين بدفع الأعباء الضريبية حسب قدراتهم المادية. بناء عليه، شمل قانون المالية لعامي 2018 و2019 إجراءات للحد من التهرب الضريبي والكشف عن الثروة. في فلسطين، تركزت إصلاحات المالية العامة لعام 2019 و2020 على دور المالية العامة في تعزيز الإنفاق الاجتماعي ودعم النمو الشامل والمستدام وعلى إصلاحات العدالة الضريبية من خلال تخفيف العبء الضريبي على ذوي الدخل المحدود، والاستمرار في إتباع نظام الضريبة التصاعدية، وتحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وزيادة مستوى الإعانات الاجتماعية والمزيد من الاستثمار في البنية التحتية والإنفاق على مشاريع التعليم والصحة. في مصر، اهتمت الحكومة بتنفيذ العديد من الإصلاحات بهدف تحقيق العدالة الضريبية شملت من بينها قيام الحكومة بتعديل قانون الضرائب على الدخل تم بمقتضاه منح خصم ضريبي لشرائح الدخل المنخفض، إضافة إلى ذلك وبهدف توسيع القاعدة الضريبي وتخفيف العبء الضريبي تم تطبيق نظام ضريبي مبسط للشركات الصغيرة والمتوسطة لتوسيع القاعدة الضريبية وتحفيز القطاع غير الرسمي على الانضمام للقطاع الرسمي. بينما تعمل المغربعلى خلق التوازن في هيكل الإيرادات الضريبية، بالإضافة إلى ترشيد الإعفاءات الضريبية وفرض الضرائب التصاعدية على القطاع الزراعي، فضلاً عن مكافحة التهرب وإدماج القطاع غير الرسمي لتحقيق المزيد من العدالة الضريبية.

في هذا السياق أشار العدد الثالث من موجز سياسات إلى بعض الانعكاسات على صعيد السياسات للسعي نحو المزيد من تحقيق العدالة الضريبية في الدول العربية وأهمها توسيع الوعاء الضريبي: حيث تؤثر محدودية القاعدة الضريبية ووجود أنشطة وفئات اقتصادية كثيرة خارج الوعاء الضريبي بشكل كبير على قدرة الدول العربية على تحقيق العدالة الضريبية حيث ينتج عنها تحمل عدد محدود من الممولين لكامل العبء الضريبي اللازم لتمويل الانفاق العام. بناء عليه، فإن تحقيق العدالة الضريبية يستلزم تبني سياسات لتوسيع القاعدة الضريبية من خلال: دمج الأنشطة في القطاع غير الرسمي الذي تصل نسبته في بعض البلدان العربية إلى نحو 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى الاقتصاد الرسمي، والمراجعة المستمرة لهياكل الإعفاءات الضريبية بما ينسجم مع الأولويات الاقتصادية للدولة، وإخضاع المبيعات الإلكترونية للضرائب لاسيما في ظل وجود بعض الدول العربية من بين أهم عشرة دولة نامية على صعيد عمليات التجارة الإلكترونية.

كما يتطلب الامر المزيد من إصلاحات تحقيق العدالة الضريبية الأفقية هناك حاجة في الدول العربية للمزيد من الإصلاحات الهادفة إلى تحقيق العدالة الضريبية الأفقية من بينها: إدراج الدخل من غير الأجور في الوعاء الضريبي حيث تشير أفضل الممارسات إلى ضرورة إخضاع كافة مصادر الدخل الأخرى المُتحصل عليها بخلاف الأجور والرواتب لضريبة بنسبة بسيطة تأخذ في الاعتبار معدلات التضخم وتطورات أسعار الفائدة الحقيقية وبحيث لا تتسبب الضريبة في تآكل الثروة (الوعاء الضريبي) فيتم التهرب منها أو تجنبها، إضافة إلى ضرورة مراجعة حدود الاعفاء الضريبي بما يتلاءم مع متوسط نصيب الفرد من الناتج والمقارنات العالمية ومراجعة حدود الإعفاء بما يتلاءم مع القوى الشرائية، وكذلك فرض ضرائب على الممتلكات لاسيما الأصول العقارية بما يسمح بتوسيع الوعاء الضريبي وإعفاء أصحاب الممتلكات من ذوي الدخل المنخفض من هذه الضريبة.

علاوة على تصاعد المعدلات الضريبية لضمان العدالة الضريبية الرأسية: تتبنى معظم الدول العربية نظام التصاعد بالطبقات بما يعني فرض معدلات ضريبية تختلف حسب الانتقال التدريجي لمستويات الدخل وهو ما يعني المساواة في المعاملة الضريبية ما بين الممولين في بداية طبقة الدخل ونهايتها ويعني أن زيادة طفيفة في مستويات الدخل قد تحمل الممول عبئاً ضريبياً كبيراً وهو ما لا يحقق العدالة الضريبية. بالتالي، فمن شأن تبني أسلوب التصاعد بالشرائح (تقسيم الوعاء الضريبي إلى شرائح يخضع كل منها إلى معدل معين، ويزداد المعدل مع الانتقال إلى شريحة أعلى) أن يسهم في تفادى الانتقال المفاجئ في سعر الضريبة من طبقة إلى أخرى ويحقق مقدارا أكبر من العدالة الضريبية مقارنة بأسلوب التصاعد بالطبقات.

وركزت الدراسة على أهمية تبني نظام مبسط للمشروعات الصغيرة والمتوسطة: على ضوء الأهمية الكبيرة التي تمثلها المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل ما يتراوح بين 90-99 في المئة من المشروعات في القطاع الرسمي في البلدان العربية من الأهمية تبني نظم ضريبية مبسطة على هذه النوعية من المشروعات مع تخفيض عدد مرات إلزام هذه المشروعات بتقديم الإقرارات الضريبية بما يساهم في زيادة الحصيلة الضريبية وتقليل العبء على الممولين.

وتطرقت الى تجنب التهرب الضريبي حيث تستدعي اعتبارات تعزيز العدالة الضريبية سعي الحكومات العربية نحو خفض مستويات التهرب الضريبي وزيادة كفاءة التحصيل الضريبي من خلال عدد من الآليات من بينها استخدام النظم المعلوماتية، وأهمية النهج غير التقليدي للتفتيش الضريبي لرصد الثروات غير المحصورة ضريبياً، وتسهيل طرق السداد وتقديم الإقرارات الضريبية. في هذا الصدد أشارت إحدى الدراسات الصادرة عن صندوق النقد العربي مؤخراً إلى أنه من شأن رفع كفاءة التحصيل الضريبي إلى مستوى 90 في المئة أن توفر للدول العربية سنوياً موارد تقدر بنحو 122 مليار دولار سنوياً وهو ما يغطي 15 في المئة من الإنفاق العام ويمكن الحكومات من تنفيذ المزيد من الإصلاحات التي تستهدف العدالة الضريبية.

واشار الى الاهتمام بالإنفاق العام المساند للعدالة الاجتماعية: يعتمد تحقق جانباً من العدالة الضريبية كذلك على عدالة توزيع الانفاق العام وتوجيه جزء مهم منه لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق الطبقية والتفاوت في توزيع الدخل. لذلك فمن شأن الإصلاحات الهادفة إلى تعزيز الإنفاق الاجتماعي لاسيما الانفاق على قطاعي التعليم والصحة والرأسمالي الداعم للنمو الاقتصادي وخفض الفقر أن يسهم في تحقيق العدالة الضريبية.