زادت بصورة لافتة خلال الأشهر الأخيرة ظاهرة «المزايدة السياسية» في التعامل مع معظم الملفات والقضايا الوطنية وغلبت على تلك المزايدات لغة ومصطلحات غريبة غير مالوفة وإن كانت دارجة في الاستخدام العام مثل «السحيج» أو «التسحيج» وهو التوصيف الذي يطلقه البعض على من هم في معسكر الموالاة بدافع الانتقاص والتقليل من قيمة هذه الموالاة أو الوطنية بعدما أصبح الولاء بحد ذاته بسبب تلك العقلية المزايدة نقيصة وتهمة وأصبحت المعارضة وبخاصة تلك المعارضة العبثية القائمة على المناكفة وتشويه الحقائق «وطنية» وشجاعة.

لقد ساهم إعلام «السوشيل ميديا» المنفلت بصورة كبيرة في إغراق الحالة الوطنية بالقضايا الهامشية وافتعال الأزمات وتوتير المجتمع وذلك لكون معظم القائمين على هذا «الفضاء الحر» هم من غير الإعلاميين المحترفين أصلاً، ولا هم من المثقفين والمطلعين القادرين على التمييز بين حرية الرأي والمسؤولية الأخلاقية المرتبطة بهذه الحرية وبين الفوضى الناتجة عن هذا الفقر الثقافي والتصحر المعرفي والذي تظهره مضامين المعالجات السطحية للقضايا الوطنية والتي وبدلاً من المساهمة في إيجاد الحلول لها أو تسهيل الوصول إليها تعمل على تفجير الأزمات وتعميق المشاكل والمساهمة في صناعة خطاب الكراهية وإشاعة اللغة الاتهامية وتسهيل مهام البعض لاغتيال الشخصيات العامة أو ابتزازها.

لقد وفرت هذه الحالة المناخ المناسب لبعض أنواع المعارضة وتحديداً «العبثية والانتهازية» والتي تربى جزء كبير منها في رحم الدولة وفي كنفها وخرج منها ولكنه وعند فقدانه امتيازات الموقع أو المنصب وجد في المناكفة والابتزاز وسيلة لأخذ المكاسب بل وزيادتها، وعملت وسائل التواصل الاجتماعي على تسهيل صناعة «الشعبية السريعة والرخيصة» لبعض هذه الشخصيات على غرار الوجبات السريعة التي تسد الحاجة للطعام وتسكت الجوع لكنها تفسد الجسد والعقل بالأمراض المزمنة والقاتلة ببطء، وصنعت «السوشيل ميديا» الكثير من «النكرات» وأحالتهم إلى نجوم وشخصيات مجتمع يحتفى فيهم والأخطر قامت بتسهيل تسويقهم «كقادة رأي عام»، لرأي عام يسود أغلبه الجهل والضحالة بعد غياب أدوات التنوير الوطنية من إعلام رسمي ومسرح ونتاج درامي، وثقافة عامة وتحديداً الثقافة الوطنية وعدم قدرتها أي أدوات التنوير تلك عن مواكبة «ثورة السوشيل ميديا» صانعة «الفوضى المستدامة».

ربما يستدعى الأمر وعلى الصعيد الوطني تشكيل رابطة لنشطاء «السوشيل ميديا» من الإعلاميين البارزين والشخصيات العامة لإدارة هذه المساحة من «الفوضى المستدامة» بكافة الأساليب والامكانات المتوفرة المهنية والقانونية، فهذه الفوضى هي واحدة من أدوات التغيير المرعبة التي يجب أن نحتاط لها بالوعي والتفهم وليس بالحجب أو القمع أو التجاهل.

Rajatalab5@gmail.com