عمان - جوان الكردي

حذر تربويون ومختصون من انتشار أفعال مخلة بالآدب في الشوارع العامة بصورة متزايدة وملحوظة في الفترة الأخيرة، وعبروا عن خشيتهم من أن تتفاقم لتصير ظاهرة تخلّ بالقيم المجتمعية.

إذ أصبح شباب وفتيات يجاهرون بممارسات مخلة بالأدب وتخدش الحياء العام، في السيارات بالشوارع.

ونبه مواطنون إلى أن هذا المشهد باتوا يرونه وبتزايد في الشوارع الرئيسة، في الصباح وبعد الظهيرة ومساء.

وعلى رغم أن هذه الأفعال كانت موجودة أصلا، إلا أنها كانت بدرجة أقل بكثير وغير ظاهرة للعيان. أما الآن فهناك استهتار واضح بالقيم ومجاهرة دون اعتبار للحياء أو احترام للناس أو خشية من الفضيحة تحت مسمى «الحرية الشخصية» عند بعضهم.

يقول الستيني أبو محمد، وهو متقاعد، إنه بات في الآونة الأخيرة يرى حالات متزايدة من الممارسات غير الأخلاقية لشباب وشابات في السيارات، وفي وضح النهار.

ويعلق: «هذا ليس مجتمعنا ولا عاداتنا ولا التربية التي نعرفها، فأصبحوا بلا خجل أو حياء، وهذا يسيء لبناتنا وأطفالنا ولمشاعرهم، فالشارع له حرمة وليس لممارسة ما يخدش الحياء العام». ويتساءل أبو محمد «لماذا أصبح الشباب والفتيات هكذا لا شيء يردعهم؟!».

الطالبة الجامعية سارة شرف تعيد هذا السلوك إلى فشل التربية الأسرية والمجتمعية وضعف الوازع الديني، وتقول: «من عنده بقية من خجل وحياء لا يفعل هذه الأفعال على مرأى من الناس، فهو لا يحترم نفسه ولا يحترم الآخرين».

وتعلق: منهم من يعتقد أنها حرية، لكن، ليست الحرية في الشارع، ولسنا مجبرين نحن وأطفالنا أن نرى هذه السلوكيات فهذا شارع عام لجميع الناس وليس لهم وحدهم.

وتشير الثلاثينية رانيا عليان (ربة أسرة) إلى أن «القيم والأخلاق تبدلت» وترد ذلك الى الفقر وضعف التربية والوازع الديني، والجهل، والتقليد الأعمى، وغلاء المعيشة والمهور.

والعامل الأكثر تأثيرا، وفق قولها، هو الانتشار غير المضبوط لوسائل التواصل الاجتماعي والثورة التكنولوجية بما تحمله من انفتاح غير مضبوط على ثقافات الشعوب الأخرى وعلى المواقع الخلاعية وما يعرض على بعض الفضائيات من دراما فيها مشاهد إثارة غير مقبولة، أكانت دراما عربية أو أجنبية.

وتزيد بأن هذه العوامل تجعل الشباب والفتيات بعمر ليسوا قادرين على الزواج فيفرّغون غريزتهم بطريقة خاطئة.

وما يثير غضبها أن هذه الأفعال «الشائنة» تجري في الشارع، وهي تحرج الآباء والأمهات والأهل الذين لا يستطيعون عمل شيء سوى إبداء تبرمهم وسخطهم واشمئزازهم من هذه الممارسات الشائنة والمحرجة.

الطالب الجامعي مؤيد يركز على التربية الخاطئة التي تبيح للشباب والفتيات أن يمارسوا سلوكيات مخلة وفي الشارع، ولا تتابعهم أو تبث الوعي فيهم إلى سوء هذه الأفعال، وأيضا الوازع الديني يمنع الانسان من الاقتراب من هذه الأفعال.

وينبه مؤيد إلى أنّ «من أمِنَ العقوبة أساء الأدب؛ فلو تطبق القوانين لن يجرؤ أحد على مثل هذه التصرفات».

ويعلل الأربعيني حسن خالد تنامي هذه السلوكات بخلل في علاقة الأهل بأبنائهم وعدم احتوائهم عاطفيا وجهل الفتيات والشباب بحجم الخطأ وعدم التوعية ورفقاء السوء والتكنولوجيا والمواقع الإباحية، وأحيانا تشدد الأهل مع الفتيات والشباب بدل التحاور معهم وتوعيتهم ونصحهم بحب وحنان.

ويضيف حسن الأمراض النفسية عند بعض الشباب الذين يستغلون بعض البنات، والتقليد الأعمى لبعض الأصدقاء والغرب. ويطالب من يرى هذه السلوكيات المخلة التي تخدش الحياء أن يبلغ فورا للحد من هذه السلوكيات المعيبة «ولتردع غيرهم عن الإقدام على هذه الأعمال المخزية والمعيبة».

عقوبات رادعة لكن غير مفعّلة

بدوره، يعزو المحامي الدكتور صخر الخصاونة انتشار هذه الظاهرة إلى تغير طبائع المجتمع والمؤثرات الطارئة على التربية وظاهرة حب التقليد عند الشباب والشابات وبخاصة في الأمور المرتبطة بسلوكيات المراهقة.

ويقول الخصاونة إن المادة 320 من قانون العقوبات تنص على: «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة مقدارها مئتا دينار كل من فعل فعلاً منافياً للحياء أو أبدى إشارة منافية للحياء في مكان عام أو في مجتمع عام أو بصورة يمكن معها لمن كان في مكان عام أن يراه.

وتتضاعف العقوبة «إذا اقترف الفعل المنصوص عليه في الفقرة (1) من هذه المادة من أكثر من شخص أو في حالة التكرار».

ويعتقد الخصاونة أن هذه العقوبة «رادعة إلى حد ما»، ولكن «لا يوجد تفعيل حقيقي للمادة». معللا ذلك بأنه ليست هنالك شكاوى، والمواطن قد يتقاعس عن تقديم شكوى ويكتفي بالتبرم وإبداء رفضه لهذه الممارسات أو بعضهم قد لا يشعر بخدشه للحياء العام وبالتالي فإنه لا رقابة، والقانون أحيانا لا يشكل قيدا أو رادعا، «فالرادع هو حسن التربية والأخلاق أولا وأخيرا».

تداعي المنظومة التربوية

وتلاحظ المستشارة التربوية بشرى عربيات أن نتاج سوء التربية الأسرية، إضافة إلى غياب الدور التربوي الأساسي في المؤسسات التعليمية أكان في المدارس أو الجامعات، جعلت المجتمع يعاني من «انهيار في المنظومة السلوكية والأخلاقية، التي أدّت بنا إلى مشاهدة سلوكيات تخدش الحياء بين الشباب والفتيات داخل السيارات وفي الشارع العام».

وتعلق بأن هذه السلوكيات هي نتيجة لغياب دور الأسرة والمدرسة، إضافة إلى غياب الرقابة على استخدام المواقع الإباحية، ناهيك عن غياب العقوبة التي يجب أن يتم تنفيذها على مرأى الأشهاد، كي يكونوا عبرة لمن اعتبر.

وتشير عربيات إلى الإحصاءات الصادرة أخيرا عن وزارة الأوقاف حول عزوف الشباب عن الزواج، سبب غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الزواج ساهمت بدورها في التوجه نحو هذه السلوكيات المرفوضة.

فعلى ما يبدو أن هذه السلوكيات الخادشة للحياء العام جعلت بعض المستهترين بالدّين والقيم والعادات يتمادون في سلوكاتهم.

ويبين الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة أن الفئة الأكثر ممارسة لهذا السلوك هي مرحلة المراهقة وبداية مرحلة الشباب التي تكون عادة من بين طلاب المرحلة الثانوية بالمدارس وطلاب الجامعات وبخاصة في مستوى السنتين الأولى والثانية، ويندر أن يكون من بينها شباب ممن هجروا التعليم والتحقوا بسوق العمل.

ويعزو الغرايبة ظهور هذه السلوكيات لإفرازات مرحلة المراهقة البيولوجية والنفسية، ومتابعة من يمر بهذه المرحلة للأفلام العاطفية وبخاصة الأجنبية في دور السينما وعلى شاشات التلفزة وعبر الفضاء الإلكتروني والاطلاع على المجلات وبخاصة التي تعنى بالسينما والممثلين والممثلات.

ويشير الى أن المسؤول عن ذلك هو كل من يقصر في توجيه الفتيان والفتيات من هؤلاء الموجهين في المحيط الأسري والمدرسي والاعلامي والديني.

ويلفت الغرايبة إلى أن الجرأة أتت للفتيات والفتيان لممارسة أفعال مخلة بالأدب على مرأى الناس، من أجواء الحرية المفرطة والتلقائية التي توفرها الأسرة والمدرسة والبيئة الثالثة (خارج البيت والمدرسة) كالمولات والحدائق والساحات العامة التي يقصدها فتيان وفتيات ليكونوا بعيدين عن أعين الذي يعرفونهم في مناطق سكناهم.

ويشير إلى أن سبب ظهور هذه السلوكيات هو ميل الفتية من الجنسين الى الاختلاط والتعرف على الطرف الآخر مع ما يصاحب ذلك من تحرك للعواطف والغرائز في فترة عبور مرحلة المراهقة، وبخاصة في غياب الرقابة والتوجيه والحزم لدى الأهل.

ووفق الغرايبة، فالدين يحض أصلا على الامتناع عن الشهوات الجنسية والمادية الأخرى فكيف لا تكون وهي بين اثنين لا يرتبطان بعقد زواج شرعي مثل هؤلاء الهائمين على وجوههم في الشوارع والساحات ويجاهرون بالمعصية ويمارسون أفعالا مخلة دون وازع من ضمير ودون التمسك بقواعد الأخلاق وأهداب الدين؟

ما العمل؟

تتمنى عربيات، أن تكون هناك كاميرات مراقبة لرصد مثل هذه السلوكيات التي تنذر بفساد المجتمع، تماما مثلما ترصد إلقاء النفايات من السيارات، وألا تنتظر الأجهزة المختصة أن تقدم بلاغات إليها لتتحرك وتتخذ الإجراء المناسب.

وتطالب عربيات، بالضربَ بيدٍ من حديد على كل من يعبث بالمنظومة الأخلاقية وتضافر جهود جميع الجهات، بدءاً من البيت والمدرسة للحد منها والتوعية بمساوئها على الأفراد والمجتمع.

ويشير الخصاونة إلى أن هذه الأفعال تحتاج إلى «شكاوى تتضمن خدشا للحياء العام، وعدم الإبلاغ عنها من قبل المواطنين تشكل أيضا حافزا لكل من يريد أن يتجاوز أو يخرق القانون».

أما الغرايبة فيعتقد أن المفترض أن تؤثر التربية الأسرية والمدرسية إيجابا بالنسبة للأخلاق والسلوك وأن تؤثر سلبا على الإقبال وعلى التأثر أو ممارسة هذا السلوك المناقض للأخلاق الحميدة، وذلك بفضل توجيهات الآباء والأمهات والمعلمين والمرشدين النفسيين والاجتماعيين، وكذلك خطباء المساجد.

ويفصّل بالقول: فبتكثيف الجهود التوجيهية التربوية والتوعوية تجاه الأبناء من الأبوين والأسرة ثم من المعلمين والمرشدين في المدرسة فالخطباء في المساجد والموجهين في مراكز الشباب، عدا عن الدور التوجيهي التوعوي لوسائط الاعلام المختلفة الى جانب استبعادها لعناصر الإثارة والتهييج والانجذاب الخاطئ البعيد عن سواء السبيل والصراط المستقيم والخلق القويم.

ويحض كذلك على تفعيل الرقابة الاخلاقية الحازمة على المواد الاعلامية والتثقيفية قبل عرضها وإتاحتها للشباب.