أبواب - زياد عساف

لعلها الغيرة والحيرة معا، تلك الحالة التي تنتاب عشاق السينما، وهم يتابعون برامج الكاميرا الخفية، لما تتضمنه من تقنيات حديثه وخدع بصرية مذهلة في إخراج حلقاتها رغم سذاجة مضمون غالبيتها،وكان الأجدى من وجهة نظر كثير منهم توظيف مثل هذه الإمكانيات في انتاج أفلام الخيال العلمي لأهميتها،أو في الأعمال السينمائية التي تتحدث عن أصحاب القدرات غير العادية والشخصيات الخارقة بشكل عام، كيف لا وأن أي انجاز علمي عاد بفائدة للناس كان من وحي خيال عالم يجري تحاليله في مختبر ولسنوات عديدة، أو باحث أمضى ليالي طويلة بين الكتب والمراجع حتى وصل لهذه النتيجة.

أما عن أصحاب القدرات غير العادية، فهذا ليس من وحي الخيال أو التمني فلقد أكدت الأديان هذه الظواهر،بالإضافة لدراسات عالمية تم توثيقها بالعديد من الكتب والمراجع، لدرجة أن ترسخت القناعات مؤخرا لدى المؤسسات والشركات الأجنبية باعطاء الأولوية في العمل لأصحاب القدرات الخارقة ممن يمتازون بحدس قوي أو بالتنبؤ بالأشياء قبل حدوثها على سبيل المثال،ما ينعكس إيجابيا على سير العمل، بتحقيق انجازات خلاقة على يد هذه النوعية من الناس.

رحلة الى القمر..

لايغيب عن ذهن كل متذوق ومتتبع لهذه الأفلام وعلى مستوى الوطن العربي تحديدا، أن السينما المصرية قدمت عددا كبيرا منها، إلا أن غالبيتها كان تقليدا باهتا للسينما الأجنبية، وفي الوقت نفسه تم انتاج بعض الأفلام العربية نسخا وتقليدا لأفلام مصرية، وهذا ما ينطبق عليه المثل الشعبي: «وكأنك يا بوزيد ما غزيت».

أسباب هذا التراجع كثيرة أبرزها التركيز على تقديم هذه الأفلام بطريقة ساخرة هدفها استقطاب أكبر نسبة من المشاهدين لتحقيق العائد المالي، ولابد من العودة دائما لسبب العلِّه الرئيسي والمتمثل بأزمة الإنتاج في السينما العربية على عكس الأجنبية التي لم تبخل بتوفير كل التقنيات والإمكانيات لإنتاج افلام الخيال العلمي، فالمقارنة تفرض نفسها هنا ومن الطبيعي أن يتوجه المشاهد العربي للأفلام الأجنبية.

ومن المؤكد أن الجمهور قد أعتراه الملل بعد مشاهدة أعمال متواضعة من نوعية (السبع أفندي) عام 1951 يتحدث عن شخصية ذات قدرات عجيبة، (رحلة الى القمر) عام 1959 لاسماعيل ياسين، (هه 3) عام 1961 والذي يتحدث عن اختراع دواء يعيد الشباب لكبار السن، و(المجانين الثلاثة) لثلاثي أضواء المسرح(جورج سيدهم، وسمير غانم والضيف أحمد)، وجاء بأسلوب تقليدي ساخر عن العالم (الضيف أحمد) مخترع عقار يتحكم في حجم المخلوقات، ونهاية الأمر تم تصنيف هذه الأعمال ضمن قائمة أفلام الخيال العلمي أو القدرات الخارقة، إلا أنه وفي الوقت نفسه قد يعرض في صالة مقابلة فيلم أجنبي بإمكانيات هائلة ومبهرة، بعيدة عن السخرية غير المجدية كأفلام طرزان أو غزو الفضاء على سبيل المثال، والتي حتما ستشد الجمهور اليها بطبيعة الحال.

قاهر الزمن..

يعزو بعض الباحثين والنقاد أن مرد هذا التقصير يعود أيضا لتجنب الكتاب والمنتجون لأي تصادم مع المؤسسات الدينية التي قد تعترض على هذه النوعية من الأعمال، ومع ذلك يبقى في تاريخ السينما المصرية تجارب ملفتة رغم قلتها تمثلت بأنجاز بعض أفلام الخيال العلمي، أهمها فيلم: قاهر الزمن عام 1987 لنور الشريف وجميل راتب ومن إخراج كمال الشيخ، ويتحدث عن دكتور يعمل على تجميد إنسان مريض ليمكنه من العيش لفترة أطول، والجدير بالذكر أن كمال الشيخ قد سبق وأخرج فيلم: المنزل رقم 13 عام 1952، ويدور حول طبيب يوظف التنويم المغناطيسي للسيطرة على أحد مرضاه لارتكاب الجرائم.

«الرقص مع الشيطان» فيلم آخر يضاف لقائمة الأفلام المتميزة في مجال الخيال العلمي وتم انتاجه عام 1993، بطولة نور الشريف أيضا وتشاركه الفنانة السورية صباح السالم، ويتطرق لحكاية الدكتور واصل الذي تمكن من الحصول على زهرتين من نوع غريب يستخلص منهما عقارا سحريا يمكنه الإنتقال بالإنسان الى عالمي الماضي والمستقبل.

تَنَمُّرْ..

الخير والشر هما المحور الرئيسي الذي يدور حوله مضمون أغلب هذه النوعية من الأفلام العربية، فيما يتعلق تحديدا بأصحاب القدرات الخارقة، وإمكانية توظيف الخير في حل مشاكل الناس ومساعدتهم بالدفاع عن حقوقهم.

رغم بساطة أغلب هذه الأعمال، إلا أنها سبقت زمنها فيما يتعلق بموضوع (التنمر) الذي يشغل الآن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي، وبات يأخذ حيزا من الإهتمام تمثل بإجراء العديد من الدراسات والأبحاث، رغم أن التنمر أو التسلط موجود منذ بدء الخليقة، ولا يزال يعاني منه الناس على الصعيد الاجتماعي والعاطفي والديني والسياسي والعسكري.

نماذج كثيرة من هذه الأفلام تطرقت للجوء أصحاب القدرات الخارقة إلى مواجهة التنمر الذي يتعرضون له من الآخرين، سواء بالإيذاء اللفظي أو الجسدي، أو التهكم والسخرية من ضعف الإنسان الناجم عن سوء الحالة المالية أو الجسدية أو النفسية.

«من أين لك هذا؟» واحد من هذه الأعمال، وتم انتاجه عام 1952، قام بالبطولة محمد فوزي ومديحة يسري، ومن اخراج نيازي مصطفى، ويدور حول قصة حب بين وحيد وسلوى يرفضها والدها ويسعى لتزويجها من رجل نصاب يطمع بثروتها، ويـأت الحل على يد العالم الذي يقيم معه وحيد بعد أن اخترع الأول مركبا كيميائيا يجعل الإنسان غير مرئي، ينتهز وحيد هذه الفرصة ويستخدمه لإفساد هذا الزواج لينقذ حبيبته من هذا الفخ ويرتبط بها في النهاية.

وهذا العمل تم اعادته كنسخة مكررة عام 1973 بفيلم يحمل عنوان (العالم سنة 2000) انتاج سوري مصري مشترك، قام بدور البطولة حسن يوسف وسهير رمزي ومن سوريا زياد مولوي وصلاح قصاص وأديب قدورة وإخراج احمد فؤاد.

عاشور قلب الأسد..

«سر طاقية الإخفاء » عام 1958،عمل سينمائي اّخر يتحدث عن عصفور الصحفي (عبد المنعم ابراهيم)، الذي يفشل في مجال عمله ما يعرضه للتنمر من مديره في الصحيفه، ولنفس السبب يتعرض للتنمر العاطفي بحرمانه من الإرتباط بزميلته زهرة العلا جراء رفض والدها لهذا الزواج، ويتعرض للتعنيف والضرب أيضا من ابن حارته توفيق الدقن الذي ينافسه على فتاة أحلامه.

ومن خلال حبكة جميلة وممتعة بالفيلم يلجأ عصفور لطاقية الإخفاء، ويعيد الأمور لنصابها وينجح في عمله كصحفي ويحقق حلمه بالزواج من الإنسانة التي اختارها.

«عاشور قلب الأسد»، واحد من الأفلام القليلة التي قام بها عبد السلام النابلسي بدور البطولة، وأدى شخصية عاشور الذي يعاني من التنمر العاطفي بصد واستخفاف آمال به (نجوى فؤاد) بسبب ضعف بنيته وجسده الهزيل، وهي تميل بطبعها للرجل الرياضي القوي.

لم يكن يدري عاشور بأن جاره العالم قد حقنه أثناء نومه بمصل من اختراعه يكسبه قوة خارقة وذلك من باب التجربة، من هنا يبدأ عاشور بتحقيق الفوز في المباريات الرياضية والمصارعة، ما يجعل آمال تهيم به حبا إلا أنها سرعان ما تحيد عنه بعد أن يخلص مفعول الدواء ويعود لطبيعته ليستيقظ بعد ذلك من هذا الوهم، ويبدأ حياته من جديد في عالم الصحافة ويتزوج من زميلته ليلى (زهرة العلا) التي كانت تكن له مشاعر صادقة دون أن يلتفت لذلك، هذا الفيلم تم اعادة انتاجه أيضا بعنوان (أونكل زيزو حبيبي) 1977 لمحمد صبحي وبوسي وكوكا.

الفنان دريد لحام وبفكرة قريبة ومشابهة نوعا ما لعاشور قلب الأسد، قام ببطولة فيلم (لاعب الكرة) 1969 وهو إنتاج سوري تركي، وأدى فيه دور حارس مرمى يعطيه الدكتور المشرف بعض حبوب القوة تمكنه من تحقيق الفوز للنادي الذي ينتسب اليه في اللحظات الأخيرة.

عفروكوش..

«عفروكوش» من الشخصيات العالقة في أذهان كل من شاهد فيلم (الفانوس السحري) عام 1960، وهو الجن أو العفريت الذي ظهر للساعي والفرّاش البسيط (مصطفى) اسماعيل ياسين من خلال الفانوس السحري ليحقق له سبع أمنيات يوظفها مصطفى بالتخلص من القمع والإستخفاف الذي يفرضه عليه مديره مرسي (عبد السلام النابلسي)، والزواج من زميلته المتعلمة أكثر منه، وبعد أن يزول سحر الفانوس يعود مصطفى لمواجهة الواقع بإتمام دراسته التي تؤهله بالإرتباط بشريكة الحياة.

«عنترة» ورغم قوته إلا أنه من أكثر الشخصيات التي تعرضت للتنمر من أبناء قبيلته وهم يعيرونه بسواد بشرته، وينادونه بابن زبيبة من باب التحقير، ولاتعرف القبيلة قيمته إلا حين يستنجدون به في الحروب، وبعد أن يحقق لهم النصر ينكرون الوعود التي قطعوها له كأن يعترف والده شداد بأبوته له، أوتزويجه من عبلة التي نظم فيها أجمل الأشعار، كل هذه الأحداث وثقتها السينما بفيلم: عنتر بن شداد 1961 الذي قام بدوره فريد شوقي في واحد من أدواره الجميلة على الشاشة الكبيرة.

العتبة جزاز..

فؤاد المهندس له مجموعة من الأفلام في هذا السياق، (العتبة جزاز) عام 1969 واحد منها، وشهد ازدحاما جماهيريا عند شباك التذاكر أثناء عرضه وقتها في سينما الحسين في عمان.

يؤدي المهندس شخصية «فرافيرو» الذي تصيبه حاله من الغضب كلما استمع لأغنية: العتبة جزاز، كونها تذكره بمأساه سبق وأن عاشها، فيتحول هذا الغضب لقوة جسمانية تمكنه من الطيران والتحليق بالفضاء، ويتم استثمار قدراته هذه بالقبض على شبكة تجسس عالمية تقيم في مصر.

» أرض النفاق» يبقى فيلمه الأهم الذي تم انتاجه في عام 1968، وهو للكاتب يوسف السباعي ومن إخراج فطين عبد الوهاب، ويؤدي المهندس فيه شخصية: مسعود ابو السعد، وهو موظف يعاني من تنمر زوجته وصاحب العمل بالإضافه لتسلط الناس ضمن محيط الحي الذي يقطنه، يتغلب على هذه المصاعب بعد أن اهتدى لصاحب محل يبيع حبوب تضفي على متعاطيها الأخلاق وما يتبعها من صفات الشجاعة والنزاهة والصراحة، ولكي تعم هذه الصفة على الجميع يلقي مسعود الدواء في النهر، وبعد أن ينتهي المفعول يعود الناس للنفاق من جديد !.

فتوة الناس الغلابا..

وعن تنمر واستبداد الحماة يتطرق فيلم (ممنوع في ليلة الدخلة) عام 1975 لمعاناة عادل إمام من جبروت حماته (نبيلة السيد) والتي تظهر له بعد وفاتها كشبح لتحول دون اتمام زواجه من ابنتها: سهير رمزي، ويكون الحل باستحضار روح والدته: نعيمة الصغير بهدف ردع حماته عن موقفها لتتحقق هذه الأمنية بنجاح مع نهاية الفيلم.

ومن قائمة هذه الأعمال السينمائية: فتوة الناس الغلابا، ويؤدي بها فريد شوقي أيضا شخصية عم كامل بائع الكتب، الذي يجد بين دفاتها عقدا سحريا يمكنه من الإختفاء عن عيون الناس في حال وضعه في عنقه، ويبدأ من خلاله بإعادة الحقوق لأصحابها إلا أنه يضعف ويبدأ بالسرقة بعد ذلك، ينتهي الفيلم بنفاد مفعول العقد واستخلاص عبرة وقيمة إنسانية من كل هذه الأحداث.

اّدم والنساء..

لابد في الختام من التوقف عند فيلم: اّدم والنساء انتاج عام 1971، وقد عرض في سينما بسمان بعمان صيف 1975، قام بدور البطولة حسن يوسف ويؤدي شخصية اّدم، بالإضافة لمجموعة من الفنانين منهم نبيلة عبيد ونجوى فؤاد وبدر الدين جمجوم وعدلي كاسب، ومن اخراج السيد بدير.

يقدم الفيلم فكرة خيالية تدور حول سقوط طائرة تحمل خمس قنابل ذرية، ما يؤدي لتسرب إشعاعات تسبب بدورها بحالة عقم وضعف جنسي عند جميع الرجال في العالم، وحده اّدم الذي ينجو من هذا الإشعاع باعتبار أنه وفي لحظة وقوع الحدث كان يغط بالنوم أثناء فترة الدوام المفترض في المنجم الذي يعمل به، ما حال دون تأثره بهذه الأعراض.

من هنا يأخذنا الفيلم لتنمر من نوع آخر يتمثل بسيطرة الدول الكبيرة على الشعوب المستضعفة، فمنذ لحظة وقوع هذا الحدث يبدأ مندوبو الدول العظمى بالتوافد لمصر بهدف التفاوض مع آدم بالترغيب والترهيب، وحتى لو لزم الأمر إلى إعلان الحرب لإرغامه على الإقامة في بلادهم والزواج من نسائهم خوفا من أن ينقطع النسل في هذه الدول.

مفاوضات

هنا وبطريقة ساخرة يرد عليهم بقبوله هذا العرض شريطة أن تتخلص شعوب العالم الثالث من التنمر السياسي والعسكري المفروض عليها من الدول العظمى، وبقوة الواثق من نفسه، وقبل أن ينتهي مفعول هذه الإشعاعات وتعود الأمور لطبيعتها يطلق اّدم هنا شروطه التالية:

«على مجلس الأمن أن يبدأ فورا بنزع السلاح وإيقاف التسليح الذري وعدم التفرقة العنصرية !».

مع استعراض كل هذه الأفلام، نجد أن الحلول المطروحة غير واقعية وتزول مع زوال القوة المؤثرة، إلا أنها أحلام يقظة تفرض نفسها بهدف إعادة التوازن النفسي لهذه الشخصيات المسحوقة من المجتمع الذي تنتمي اليه سواء في الحي او المنزل أو العمل.