أبواب - تالا أيوب

«تمسمرتُ أمام شاشة التلفاز، ونظرت مطوّلا الى ممثلة تؤدي مشهدا تمثيليا؛ لأتعرف عليها، فأنا متيقنة من معرفتي لصوتها بالرغم من عدم تمييزي لشكلها، فأغمضت عيني، وركزت جيدا، فتذكرتها، كيف لها أن تغير ملامح وجهها الى هذا الحد؟. كانت جميلة جدا، فلماذا أجرت عمليات تجميل؟. بهذه الكلمات عبرت رلى درابكة عن استيائها من ممثلة قامت بتغييرات جذرية في شكلها بالرغم من عدم حاجتها لذلك.

كثيرات يشبهن حال هذه الممثلة، فمعظمهن يتسابقن على تغيير أشكالهن، إيمانا منهن بأن الجمال هو أساس النجاح والنجومية، فنلاحظ إطلالتهن عبر شاشات التلفاز بمظهر وشكل جديد.

لا يقتصر الأمر على تسريحة شعرهن ولونه، أو كثافة رموشهن، أو طريقة وضع مستحضرات التجميل «الماكياج» بل يتعدى الى تكبير حجم شفاههن، وخدودهن(...) متناسيات أن الجمال وحده لا يكفي في مهنة المشاعر والأحاسيس، بخاصة أن علامات الشد والنفخ حولّتهن إلى مجرد آلات.

في السياق، تقول سكينة جابر -وهي إحدى متابعي المسلسلات- إن:«كثرة الإجراءات التجميلية تؤثر على المحتوى التمثيلي سلبا، إذ أن كثيرا من الممثلين والممثلات يلجأون الى حقن مادة البوتوكس فتشل حركة عضلات الوجه المحقونة بهذه المادة، فتؤدي الى عدم قدرتهن على استخدامه في الأداء الذي تحول إلى جمل مفرغة من أي محتوى أو معنى مع محاولات لمزج الحوارات بانفعالات صوتية مصطنعة، بعيداً عن العفوية المطلوبة في فن التمثيل».

يلفت الخمسيني زياد محمود - وهو أحد متذوقي الفن التمثيلي- الى أنه عندما كان يتابع المسلسلات البدوية التلفزيونية في تسعينيات القرن الماضي كان ينتقد وضع الممثلات لمستحضرات التجميل لأن البدويات لا يضعن مستحضرات تجميل، لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد.

ويشير الى أن أسنان الممثلين الذين يقومون بأداء مشاهد بدوية أو مسلسلات قديمة في الوقت الحالي ناصعة البياض كـ«صف اللولو» وذلك غير واقعي، اذ لا بد من تطابق الشكل واللباس مع الجو العام للمسلسل.

تأثر بالمسلسلات التركية

يقول خبير علم الاجتماع الدكتور مجد الدين خمش: إن:«التكنولوجيا الطبية قد تطورت سريعا في الفترة الماضية، وخاصة في مجال التجميل، إذ أصبح بها إمكانيات طبية بطريقة متنوعة ما زاد الإقبال عليها من كلا الجنسين».

ويشير الى وجود تنافس إعلامي بين الفضائيات العربية والتركية أدى الى انتقال بعض الأفكار التركية الى العربية، ليس بما يتعلق بالأسلوب فقط، وإنما بالتجميل، والجو العام، ونبرة الصوت، وحركة الكاميرا أصبحت أبطأ، تركز على الوجه وفخامة الديكور والبيئة».

ويبين أن:» الأفكار في الشكل التركي لم تؤثر على الفتيات فقط، وإنما على الشباب العرب أيضا الذين قاموا بتقليدهم، وذلك نلاحظه من خلال نمط الشارب الكثيف، واللحية، والنظرات الصارمة، والتكلّم بخشونة، بالإضافة الى الأسنان ناصعة البياض، والهدوء المبالغ فيه».

ويشير خمش الى تأثر بعض الشباب بأبطال المسلسلات العربية التي عُرضت في الموسم الرمضاني السابق، وتقمصهم لبعض الحركات والعبارات التي اشتهر بها أبطال المسلسلات.

ويلفت الى أنه من الواضح وجود تنميط للجمال، والملامح. ويعتبر أن:» الجمال المصطنع للممثلين والممثلات لا يعكس الواقع التاريخي في المسلسلات التاريخية تحديدا ما قبل خمسة الى سبعة عقود، إذ كان الجمال الأنثوي بسيطا وطبيعيا في ذلك الوقت، ولم يكن مصطنعا كما هو الآن، وذلك يحدث خللا في الإخراج ومن المفروض بأن يتنبهوا لذلك».

يقول مستشار جراحة التجميل والترميم الدكتور وليد حدادين:«كثير من الشابات يقصدن عيادات التجميل بهدف الحصول على شكل بعض المشاهير، وتكون درجة التوقع لديهن عالية».

ويبين أن:«توقعاتهن تخيب، لأن النتيجة تختلف من واحدة الى أخرى، وذلك يعتمد على المعطيات المتوفرة لديها، بالإضافة الى أننا كأطباء لا نستطيع التأكد من النتيجة النهائية حقيقة، فهناك عاملان مهمان لا نستطيع التحكم بهما، الأول: كيف يتعافى الجسد وما ردة فعله اتجاه الضربة أي الجرح، والثاني: عامل الجلد إذ أن هناك السميك والرفيع بالإضافة الى طبيعة العظم والغضاريف اذ تختلف من واحدة إلى أخرى، ولا نستطيع توقع النتيجة فنحن نحدد الشكل الذي نهدف له ونثبته بخيوط تجميلية ونتمنى بأن يتعافى بالشكل الذي قمنا به وتركناه عليه».

ويشير حدادين الى أن نسبة ٩٠ بالمئة من المقبلين على عمليات التجميل من الإناث، والفئة العمرية التي تريد التشبه بالمشاهير تتراوح أعمارها بين ٢٠و٢٤ عاما.

آثار نفسية

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي: «يسعى الإنسان الى أن يرى نفسه جميلا، وبالأخص الأنثى إذ أن طبيعة سيكولوجيتها ترتبط بالسعي نحو الإطراء من قبل الآخر بغض النظر عن جنسه، ومن المحتمل أن يتطور فيصبح هذا الهاجس هوسا مبالغا فيه عند بعضهن».

ويلفت الى أن عمليات التجميل قد أصبحت أشبه بقوالب جاهزة، وكأنها «قصات» تشبه موديلات السيارات إن جاز التعبير، فالمرأة تقصد طبيب تجميل اذا أرادت قصة إحدى مشاهير الفن.

ويرى التميمي أن عمليات التجميل تصلح للأشخاص الذين يعانون من تشوّهات خلقية كبروز زائد في حجم الأنف، أو وجود تشوّه مبالغ به، أو خلل ينحرف عن المتوسط العام. ويلفت الانتباه، إلى أن الأمر تجاوز بكثير هذا الموضوع كالشد والبوتوكس والفيلر والتكبير وما الى ذلك من عمليات هدفها استغلال سعي المرأة إلى هذا الجانب.

يبين التميمي أن بعض النساء ينشغلن بمظاهرهن، ويتركن جوهرهن. وبحسبه فإن:«ذلك له أبعاد نفسية، فحرص كثير من النساء على مظاهرهن الخارجية يدل على غياب الجمال الداخلي، ولا نستطيع أن نعمم، الا أن بعضهن يعانين من مشاعر نقص، وتدني الثقة بالنفس، وحب التقليد، والسعي وراء بعض السخافات لكي يبقين جميلات يتحدين التغيرات المرتبطة بالزمن كالكبر والهرم».

ويشدّد التميمي على أن الهوس بالجمال والمحافظة عليه أصبح موضوعا مقلقا ومزعجا وقد يترتب عليه خلافات أسرية، اذ أنه من الممكن أن تصمم المرأة على إجراء عملية تجميل بغض النظر عن امكانيات زوجها المالية.

ويبين الآثار النفسية المترتبة على العمليات التجميلية بقوله: «قد تكون إيجابية اذا كانت ضمن حدود معقولة والهدف منها تعديل خلل أو تشوه، بينما الهوس بإحداث تغيير مستمر بملامح الوجه والجسد سيصبح نوعا من الوسواس بهدف السعي نحو الكمال ويدخل صاحبه في اضطرابات نفسية، أو على الأقل سوء تكيف مع ذاته والبيئة الخارجية».

ويخلص التميمي: «لا تنكر جميع الأديان أن رب العالمين قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، وبالتالي على الانسان أن يرضى بما قسمه الله له من شكل خارجي، وأن يسعى بكل ما أوتي من قوة لأن يحسن من جوهره لأنه الأساس».