أبواب -خولة أبوقورة

يمر كثير ممن فقدوا أشخاصا شديدي الصلة بهم بحالة اكتئاب أو حزن شديدة، وقد يصابون بأمراض نفسية نتيجة التعلق بهؤلاء وعدم الرغبة بتصديق الواقع الجديد، ولهذا يدعو خبراء الصحة النفسية إلى ضرورة التعامل مع الواقع الجديد

بطريقة علمية تقلل من وقع الذكريات المؤلمة وتأثيرها على حياة الإنسان، وهو ما يطلقون عليه «سيكولوجية الفقد».

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي إن «الموت حق على كل البشر ووجودنا في هذه الحياة مؤقت، لكن فقدان شخص عزيز فاجعة لمن حوله».

ويوضح:«يشعر من غيّب الموت أحد أعزائه باليأس والإحباط والكآبة وكأن الحياة توقفت بعده»، ويشدد على أنه:«بالرغم من أن الموت حقيقة مؤلمة لكن على الإنسان أن يتقبل فكرة أننا جميعا سنغادر هذه الحياة».

ويرى أن من نعم الله علينا أنه عندما ينزل البلاء والابتلاء فإنه ينزل السكينة والنسيان فتستمر عجلة الحياة، لكن الجروح تتجدد عند حلول المناسبات كأول عيد يمر دون وجود الفقيد ويمكن للشخص أن يتخلص من الآلام بالحفاظ على التواصل الروحي بينه وبين الشخص المتوفى بالدعاء له والتصدق عنه أو إهدائه عمرة(...).

وتقول أستاذة علم النفس التربوي الدكتورة منى أبو طه إن:«الفاقد لشخص عزيز يعيش سيكولوجية الفقد، حيث يمر الإنسان بخمس مراحل نفسية، أولها: الصدمة، وثانيها: القلق والعصبية، وثالثها: مقايضة القدر، ورابعها: الكآبة والإحباط واليأس، وأخيرا القبول أو الاستسلام».

وتوضح :«تختلف هذه المراحل من شخص لآخر حسب الحصانة النفسية التي يتمتع بها ودرجة قرابة الشخص الميت».

وتبين أن «حالات الحزن تختلف من شخص إلى آخر، كما أن طريقة التعبير عن الحزن تختلف تبعاً لثقافة الشخص، وديانته، والمبادئ التي ينتهجها مجتمعه».

وتقول أبو طه» يتغلب بعض الناس على صدمة الفقدان المفاجئ لحبيب أو قريب بسرعة ويواصلون حياتهم بشكل طبيعي، لكن معظمهـم يستسـلمون لمشـاعر الحزن، كلما حلت ذكرى وفاة الفقـيد أو عيد ميلاده، وكلما وقعت أعينهم على من يشبهه ويذكرهم به».

وتلفت إلى أن:«مشاعر الحزن قد تظهر في كل مناسبة تُذكر بالفقيد ولا تُعد بالضرورة انتكاسة في عملية التعافي من صدمة الخسارة، بل تجسيد عاطفي يترجم درجة المحبة للمتوفى، ويعكس نوع الفراغ الذي خلفه فقدانه في حياته».

وتشير إلى انه «لمواصلة التقدم في درب التعافي،ينصح خبراء الصحة النفسية بالتسلح بالوعي اللازم لمعرفة كيفية التعايش بإيجابية مع كل الأشياء والعناصر التي تُذكر الشخص بمن افتقده».

وتلفت إلى أنه «يمكن أن تستغرق ردود الفعل الشعورية الناجمـــــــة عن ذكريـــات معينة أياماً، أو أسابيع، وقد تصل إلى سنوات، وعلى الشخص الذي يحضر مناسبة أو ذكرى لها علاقة بالفقيد أن يتوقع عواطف من قبيل الحزن والغضب والقلق والألم واضطرابات النوم والتعب والكآبة، وأحياناً الوحدة».

ووفقا لخبراء الصحة النفسية يستمر الشخص الفاقد بالعيش على وقْع فقدان عزيز لسنوات عدة بعد وفاته،لهذا تنصح الأستاذة أبو طه الفاقدين بإتباع خطوات ما يسمى «مناعة شعورية» لتسهل عليهم التعايش مع الفواجع والمحن التي يواجهونها وليتخلصوا من حزنهم بأسرع وقت.

وتبين أن أولى الخطوات تحويل مناسبات التأبين وذكرى الوفاة إلى فرص للتعافي، واستخلاص الدروس مما مر به الفقيد من محطات وتجارب، وثانيها: التخطيط لقليل من الترفيه والمرح وزيارة الأصدقاء والأحباء، خلال الأوقات التي شــعر فيها الفاقد بالوحدة أو الحزن.

وتلفت إلى أن الخطوة الثالثة تتمثل باستحضار المحطات الإيجابية في العلاقة بالفقيد، فيما تتمثل الخطوة الرابعة بابتكار عادة جديدة كالتبرع بمبلغ مالي أو شيء عزيز تملكه إلى جمعية خيرية، أو منظمة إنسانيـــة فــــي ذكــــرى الوفـــاة أو التأبيـــن أو العطل، أو زرع نبتة، تُخلد ذكرى رحيله السنوية.

وتشير إلى أن الخطوة الخامسة هي التواصل مع الآخرين والبقاء قريبا من الأحباء والأصدقاء، باعتبارهم شبكة دعم روحية وعاطفية واجتماعية.

ويُشير خبراء الصحة النفسية وفقا لأبو طه إلى أنه:» ليس هناك وقت محدد يمكن لنا أن نتوقف فيه عن الشعور بالحزن تُجاه فقدان شخص ما، لكن الشيء الإيجابي هو أن هذا الشعور يخف تلقائياً مع مرور الوقت، ولعل ذلك يحدث بفضل نعمة النسيان النسبي التدريجي الذي رُزق به كل إنسان».

وتؤكد أبو طه أن «تحقيق السعادة الحقيقية لا يكون مرهونا بالعيش برفقة شخص ما، فكل حب إنساني قابل للتعويض بفضل طبيعته النسبية، كما أن مصيبة فقدان هذا الحب تظل قابلة للتجاوز بفضل استحالة حب شخص ما حباً مطلقاً».