أبواب - تالا أيوب

تنفرد تونس في عيد الفطر بعادة «حق الملح» عن شقيقاتها من الدول العربية، إذ يقدم الرجل هدية رمزية لزوجته تقديرا منه لكدها طيلة شهر رمضان.

وتتمثل طقوس هذه العادة بترتيب المرأة منزلها وتبخيره، وتسارع لاستقبال زوجها بعد عودته من صلاة العيد، مرتدية أبهى ملابسها وأجمل زينتها، حاملةً طبق حلويات وفنجان قهوة، يتناوله من يدها فيشربه، ويضع فيه قطعة حلي من ذهب أو فضة بحسب إمكانياته المالية.

ويعتبر التونسيون «حق الملح» تعبير عن تكريم صاحبة البيت وتقدير جميل صبرها وتعبها خلال شهر رمضان، فهي إلى جانب صومها وتأديتها واجبها الديني كغيرها من أفراد العائلة تقوم بإعداد كل أصناف الأطباق المشتهاة من قبل أفراد العائلة، وتنظف المنزل، كما تضطر إلى تذوق الأكل، لمعرفة درجة ملوحته دون ابتلاعه، لذلك ترمز هدية «حق الملح» الى طلب العفو من ربة المنزل، وشكرها على صبرها وتحملها.

انتشرت فكرة العادة التونسية على مواقع التواصل الاجتماعي، فأثارت جدلا في مجتمعنا، إذ لاقت استهجانا من بعض الأردنيات، فمنهن استبعدن بأن يقوم أزواجهن بهذا الفعل، كما لاقت رفضا من بعض الرجال نظرا لضيق الحال، كما أن نساءهم لسن خادمات كي يُدفع لهن ثمن تعبهن فهن شريكاتهم في الحياة.

أثارت فكرة «حق الملح» ضحكات ونكات بعض الأزواج فمنهم من أجاب: «مصاريف رمضان والعيد يعادل ألم الولادة»، بينما قال آخر: «أنا أطبخ طوال الشهر، وأساعدها بالترتيب والتنظيف وبالأخص ليلة العيد»، وتابع مستفهما: «من يجب أن يحصل على «حق الملح» أنا أم زوجتي؟».

واستهزأت بعض الزوجات بالفكرة باعتبارها لا تتطابق مع الواقع الأردني، فقالت إحداهن :«بصراحة والحق يقال بالنسبة لي يعطيني زوجي حق الملح والسكر وأنا أشتريهما بمفردي وأحيانا أشتري الأرز»، وقالت أخرى: «أنا لا أريد حق الملح من زوجي فقط لو أنه يعفيني من نكده»، وأخيرة اكتفت بترديد كلمات أغنية عراقية قديمة: «الملح والزاد ماغزر ولافاد، خلاني العزيز وسكن بغداد».

في المقابل، لاقت الفكرة استحسانا من بعض الأزواج فقال أحدهم: «لقد عوّدنا أبي على هذه العادة، وأنا الى الآن أهدي أمي خاتما، ولأم ابني حتى بعد انفصالنا ولا أريد أن أترك هذه العادة كي أعوّد ابني عليها».

وأشار آخر إلى أنه ليس بالضرورة إهداءها قطعة ذهب إذ من الممكن تقديم أي هدية رمزية إشارة إلى الاعتراف بفضلها وكدها طيلة الشهر الفضيل.

ولفتت إحدى الزوجات الى أنه يكفيها عبارة «كل عام وانتِ بخير، وأن يشعرها زوجها بأهميتها وتقديرها وهي محاطة بأبنائها فإن ذلك يعادل كنوز الدنيا».

وقالت إحدى الزوجات: «إن عائلة زوجي تطبق عادة غرّة رمضان: وهي أن يهدي الرجل زوجته أو يقدم لها مبلغا ماليا كعيدية، كما أن الأخوة يقصدون بيوت أخواتهم ويعطونهن مبالغ مالية وفي العيد أيضا للزوجة الحصة الأكبر من العيديات».

وتتابع ضاحكة: «لكن فكرة «حق الملح» أعجبتني حقا، وسأطلب من زوجي أن يطبقها بدفع مبلغ مالي وقطعة من ذهب في العيد المقبل بإذن الله».

يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة: «إن تشكل الشخصية ليس نتاج مكونات بيولوجية وراثية فقط، إنما يضاف إليها مكونات اجتماعية ثقافية، تصبغ المجتمع وكل فرد فيه بسمات وخصائص، ذكرا كان أم أنثى، لكن المرأة تمعن في التأثير على المجتمع وبنائه الثقافي، من خلال دورها الحساس في التنشئة الاجتماعية في الأسرة».

ويضيف: «لكنها في كل ذلك تنقل روح المجتمع وعناصر الثقافة من عادات وتقاليد وقناعات، حتى لو كانت جملة الأفكار من صنع الرجل، وتعلي من سلطته وتخفض من شأن المرأة، وكثيرة هي المواقف التي تطلب فيها الأم أو الجدة، من الناشئين أن يتمثلوا ثقافة الهيمنة الذكورية بالأسرة التي تمتد إلى مفاصل الحياة وتشعبات الثقافة».

ويلفت الى أن المرأة تعيش حالة إزدواجية بين الحاضر المتحرّر والماضي القديم المحافظ، وهي تحاول أن تنشئ الأبناء وتتماشى مع الزوج وتتعامل مع المجتمع.

ويشير غرايبة الى أن: «قبل هذا اليوم بقرنين كاملين طرح عالم الاجتماع الفرنسي فريدريك ليبلاي نظريته حول مكانة المرأة، التي تمر بثلاثة مراحل، الأولى: المستقرة (الاستاتيكية) والثانية: الانتقالية، والأخيرة: غير المستقرة (الديناميكية) »، لافتا إلى أنه:«يراها تنطيق على حال المرأة الأردنية خاصة والعربية عامة في هذا العصر، وأزعم أنها الآن في المرحلة الانتقالية حيث تجمع بين خصائص المرأة الكلاسيكية والمرأة المتطورة».

ويرى: «المرأة تحاول أن تغذ السير للانتقال إلى المرحلة المتطورة، من خلال أنشطتها السياسية وانجازاتها التشريعية وتصرفاتها الاجتماعية، لتحقيق وضعية الشريك المتفاعل، رافضة وضعية الفئة الخاصة التي تشكو وتطالب بالإنصاف».

ويستغرب من تكريس فكرة الدونية في نظرة المجتمع نحو المرأة بعد كل هذه التطورات والممارسات من الذكور تجاه الإناث والتي تنطوي على التقدير لدور الأم، والتعاطف مع دور الأخت، والود لدور الزوجة، والدراية لدور الأبنة، والحنان لدور الطفلة.

ويوضح أن: «غالبية الآباء يدعون بناتهم لمآدب رمضان، والمناسبات الأخرى، ويحرصون على إرسال مواد المونة كالزيت والزيتون والجبنة في مواسمها لبيوتهن، والأشقاء يقدمون الهدايا الى الأمهات والخالات والعمات والبنات(...).

ويلفت إلى أن الأنثى تظل الشغل الشاغل لدى كل الأسر باعتبار أن الذكر قادر على إدارة نفسه واقتحام المجهول في مختلف الحقول أما الأنثى فتحتاج المساندة والاهتمام من الأب والأخ والزوج».

تقول الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي فداء أبو الخير: «التعبير عن الامتنان للآخرين مهم جدا للصحة النفسية فهو أحد أنواع التعزيز الذي نستخدمه لأي سلوك إيجابي يحدث بغض النظر عن أن الشخص مجبر على القيام به أم لا، فالتعزيز اللفظي أو المالي يحفز الشخص على تحسين ما يقوم به».

وتتابع: «حق الملح عبارة عن نمذجة للقيم المهمة التي تعبر عن الاحترام لجهود الآخرين ومراعاتهم وتقديرهم، وعندما يقدّر الزوج زوجته فإنه سيكون قدوة لأبنائه وسيحاكونه فيما بعد، وبالتالي سيكون صداه أعمق وأبلغ».

وتشير أبو الخير الى أن الموضوع يساهم في التقارب والتآلف عندما يسمع الطرف الآخر الشكر ويحس بالتقدير لجهود بُذلت وسيشعر بالرضى عمّا قدمه، وفي كل مرة سيقدمه بحب بدرجة أكبر، وبالتالي سيحصل لدينا نوع من الترابط الجيد، وتعزيز للثقة بالذات لدى الطرف الآخر.

الظرف الاقتصادي والهدايا

يقول الخبير الاقتصادي مازن ارشيد: «فكرة حق الملح جميلة جدا، ومن الممكن أن تنعكس بنفس الطقوس وتنتقل الى الأردن بشكل أو بآخر».

ويلفت الى ضرورة عدم استخدام الوضع الاقتصادي كـ«شماعة» لعدم القيام بالأمور، فإذا اعتبر الزوج ثمن قطعة ذهب مرتفعا، وتوقيتها غير مناسب نظرا لمصاريف شهر رمضان والتزاماته ونفقاته الكثيرة، باستطاعته إهدائها شيئا آخر يتناسب مع ظرف الأسرة الاقتصادي.

ويشدّد على ضرورة عزو الفضل للمرأة؛ لأنها تبذل جهدا كبيرا في مختلف جوانب الحياة بداية بتربية الأبناء، وتعليمهم، ويخص بالذكر المرأة العاملة، إذ أن التزاماتها في شهر رمضان تتضاعف عن الشهور الأخرى.

ويشير ارشيد الى إمكانية وجود بدائل فالهدايا جميعها رمزية وفيها نوع من التقدير لربّة المنزل سواء أكانت قطعة ذهب أو اصطحابها لتناول طعام الغداء خارج المنزل للترفيه عنها وتقديرا لما قدمته وبذلته من جهد وتعب.

ويخلص ارشيد إلى أنه: «من الضروري وجود مثل هذه العادة في الأردن كما في تونس، ولا بد من إظهار التقدير للمرأة، ولو بشكل رمزي خلال هذا الشهر، وخلال عيد الفطر بغض النظر عن نوعية هذه الرمزية».