في الاسبوع الماضي وبعد غياب عقود وعقود عن جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وجدتني مستغرقاً في قراءة متأنية لكتاب عنهما بعنوان (وجهاً لوجه) Tete-a-Tete كتبته هازل رولي عام 2006، ولم أكن أتوقع انني سوف استمتع به حتى نهايته لأكتشف الكثير من الجوانب الملتبسة في حياة هاتين الشخصيتين الادبيتين الكبيرتين اللتين فرضتا عبقريتهما وجاذبيتهما على اجيال القرن العشرين، انطلاقاً من الوطن الفرنسي وانتقالاً الى دول اوروبا القريبة والبعيدة ثم الى اميركا بأدانتهما لجرائمها في حرب فيتنام، وصولاً الى الدولة الصغيرة كوبا تنديداً بحصارها، وإلى الجزائر دعماً لثورتها بقيادة جبهة التحرير، وبالرغم من تهديد اليمين الفرنسي لهما بالاغتيال وتفجير شقتهما في باريس فقد وقّعا على بيان الـ 121 للمطالبة باستقلال الجزائر، ولا ننسى تعاطفهما مع جميلة بوباشا المناضلة التي عذبها الجنود الفرنسيون بوحشية فظيعة واغتصبوها! وحين همت الحكومة الفرنسية بالضغط على سارتر قال ديغول (اياكم وسَجْن فولتير)! وعندما رفض عام 1964 جائزة نوبل كتب: كنت سأُسر كثيراً بقبولها اثناء الحرب ضد الجزائر لأنها فخر للمقاتلين من اجل بلادهم.

أما الصراع العربي الاسرائيلي فقد كان واحداً من الموضوعات التي اختلف فيها سارتر مع بوفوار، فكلاهما كانا يؤمنان بحق كل من اليهود والفلسطينيين في دولة مستقلة لكن سارتر كان يبدي قلقه من سياسة اسرائيل التي تجعل المفاوضات مع الفلسطينيين مستحيلة!

في عام 1970 قادت سيمون دي بوفوار حركة نسائية دعت لالغاء قانون منع الاجهاض وقد تحقق الانتصار واصبح الاجهاض قانونياً في فرنسا منذ 1975.

عجيبةٌ مثيرة وخلافية حتى بمفاهيم عصرنا الحاضر كانت حياة بوفوار وسارتر وعلاقاتهما ببعضهما وبالاخرين، كتّاباً ومفكرين وناشطين سياسيين وفنانين يساريين، وغزيرٌ كان انتاجهما الأدبي من روايات ومذكرات ومسرحيات ومقالات تعمقت في بحث (الفلسفة الوجودية) وتقاطعها مع الفلسفات الأخرى كما شاركا رفاقاً عديدين في تحرير مجلة (الازمنة الحديثة) وكانا يختلفان مع الحزب الشيوعي ثم لا يلبثان أن يصفقا له في مواقفه الحازمة بدعم مقاومة الشعوب المقهورة، لكن ذلك لم يمنع سارتر من انتقاد الاتحاد السوفيتي وان كان دائم الخشية من ان تستخدم الصحف الصفراء ذلك كدعاية للجانب الاميركي.

وحين زارا الاتحاد السوفيتي عام 1962 اثناء فترة الانفراج التمس ايليا اهرنبورغ من خروتشوف اتاحة التبادل الثقافي بين الشرق والغرب وأقنعهُ باكتساب رجل مثل سارتر المثقف الاكثر شهرة في فرنسا والمناضل من اجل السلام العالمي والمنتمي الى اليسار من دون ان يكون عضوا في الحزب الشيوعي.

وبعد.. فتلك لمحات من كتاب عن بوفوار وسارتر لا يروّج لفلسفتيهما المتوازيتين بل يثير مزيداً من الجدل الممتد حول الفرق بين المحظور علناً والممارس سراً وهو فرق بدأ يتجرأ على كشفه بعض روائيينا المعاصرين!