معهد واشنطن - ديفيد ماكوفسكي



في الأسبوع الأخير من أيار، اتخذت إسرائيل خطوة غير مسبوقة منذ تأسيسها قبل 71 عاماً عندما صوّت الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) على حلّ نفسه وإجراء جولة أخرى من الانتخابات البرلمانية في 17 أيلول، بعد مرور خمسة أشهر فقط على الجولة السابقة. ويعود سبب هذه الخطوة إلى عجز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن تشكيل ائتلاف جديد بعد فوزه بولاية خامسة في نيسان.

فهل ستؤثر إعادة خلط الأوراق هذه على قدرة نتنياهو على إدارة كل من المعارضة السياسية والتحقيقات الجنائية التي يواجهها محلياً؟ والأمر الأكثر أهمية، كيف سيؤثّر ذلك على جهود السلام التي خططت لها إدارة ترمب، بما فيها المؤتمر الاقتصادي المقبل في البحرين؟

المأزق السياسي لنتنياهو

يُعزى السبب الرئيسي لفشل رئيس الوزراء الإسرائيلي في محاولته لتشكيل ائتلاف إلى إحجام زعيم «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان عن منحه الدعم البرلماني الضروري لضمان أغلبية تشمل 61 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً - وهو رفض جاء وسط جدال حول مشروع قانون يقضي بفرض غرامات مدنية على بعض المؤسسات الدينية إذا لم يؤدِ عدد كافٍ من الشباب اليهود المتشددين الخدمة العسكرية. وأصرّ ليبرمان على أنه يعمل انطلاقاً من مبادئه لكن المقربين من نتنياهو قالوا إنه مدفوع برغبة شخصية في الثأر من رئيس الوزراء. ووجه نتنياهو نفسه انتقادات حادة لليبرمان بسبب حجبه المقاعد وجر البلاد إلى انتخابات «غير ضرورية»، بل حتى اتهم وزير الدفاع السابق المتشدد بانتمائه إلى معسكر «اليسار».

وخلال النجاحات السابقة التي حققها نتنياهو في الانتخابات، تمكّن عادةً من الجمع بين حملات انتخابية بمهارة عالية وقدرة هائلة على التفاوض بعد الانتخابات لتشكيل ائتلاف. وقد تطلبت جهود تشكيل تلك الائتلافات تعاونه مع الخصوم، سواء عبر جذب الأحزاب من يسار الوسط لتوسيع ائتلافاته أو على الأقل التهديد بالقيام بذلك من أجل تخفيف مطالب شركائه الصغار في معسكر اليمين.

لكن هذا العام، ألغت لائحة اتهام أولية بشأن ثلاث تهم فساد معظم الهامش المتاح أمام نتنياهو للمناورة. فقد فاز حزب «أزرق أبيض» الوسطي بنفس عدد المقاعد التي فاز بها حزب «الليكود» وأوضح أنه لن ينضم إلى حكومة يشكّلها نتنياهو طالما أنه لا يزال تحت سحابة قانونية. وهذا ما جعله رهينة المطالب المتضاربة لأحزاب اليمين، معززاً التكهنات بأنه سيبقى كذلك إذا فاز مجدداً بالانتخابات في أيلول.

وبالفعل، يشكّل توقيت قرار حلّ الكنيست ضربة قوية لنتنياهو. فقد كان يعتمد على إقرار حكومته التالية لقانون من شأنه أن يحدّ من صلاحية «المحكمة العليا الإسرائيلية» في مراجعة الإجراءات البرلمانية، مما يزيد من فرصه في إقرار إجراء منفصل لعزل نفسه بشكل إضافي عن الخطر القانوني طالما يكون في سدة الحكم. إلّا أن رد الفعل العام ضد المناورة لضمان حصانته سيمكّن خصومه من الترشح ضمن برامج انتخابية تصوّره على أنه تهديد لديمقراطية إسرائيل. علاوة على ذلك، حدد المدعي العام جلسة استماع حول تهم الفساد الموجهة ضده في تشرين الأول، ومن المرجح أن يليها صدور لائحة اتهام رسمية، يُحتمل أن تقضي على فرصة ثانية أمام نتنياهو للحدّ من صلاحيات المحكمة.

التداعيات على خطة السلام للرئيس ترامب

حتى قبل الإعلان الذي صدر في الأسبوع الأخير من أيار، بدا أنه تمّ مرة أخرى تعليق خطة إدارة ترامب للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين التي طال انتظارها. فلا يزال فريق الرئيس الأميركي عازماً على إجراء ورشة عمل اقتصادية في البحرين في 25 و26 حزيران تشمل تمثيلاً وزارياً من عدة دول عربية، ووزير المالية الإسرائيلي، ورجال أعمال من الدول المشاركة. ويمكن القول بأمان أنه إذا اعتقدت الإدارة الأميركية بأن الخطة بأكملها ستلقى ترحيباً دولياً جيداً، فسوف تكشف النقاب عن مكوناتها السياسية بالتزامن مع تلك الاقتصادية. ومع ذلك، فقد سبق لـ «السلطة الفلسطينية» أن أعلنت أنها لن تشارك بورشة العمل، مؤكدة على ادعائها بأن أي تركيز على التنمية الاقتصادية مصمم ليحل محل التطلعات السياسية الفلسطينية. وبالتالي، فمن الناحية التكتيكية القصيرة الأجل، ترحب الإدارة الأميركية بقرار إجراء انتخابات جديدة في إسرائيل لأنه يوفر مبرراً منطقياً عاماً بحدّ ذاته للسبب الذي يمنع واشنطن من الكشف عن خطتها الكاملة في البحرين - ولا سيما المكونات المتعلقة بالقضايا الجوهرية للوضع النهائي (أي الحدود والترتيبات الأمنية والقدس واللاجئين والاعتراف المتبادل).

ومع ذلك، فإن انتخابات أيلول قد تقوّض خطة السلام على المدى الطويل أيضاً. فقد تنبأ كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، الذي هو أحد كبار منتقدي إدارة ترامب، بأن قرار إسرائيل سيقضي على الخطة بالكامل، بإشارته إلى أن «صفقة القرن» ستصبح الآن «صفقة القرن القادم». كما أن التقويم السياسي الأميركي لا يوفر الدعم للخطة - إذ بحلول الوقت الذي تتشكل فيه حكومة جديدة في إسرائيل (من المرجح أن يحدث ذلك في نهاية تشرين الأول على الأقل)، ستكون دورة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2020 في أوجها، مما يجعل المسؤولين الأميركيين أقل استعداداً بكثير للسعي إلى فرض الخيارات الصعبة التي تتطلبها عملية صنع سلام حقيقية.

وللمفارقة فإن نتنياهو، الذي كان سابقاً من ركائز خطة السلام الأميركية، قد يصبح الآن عائقاً أمامها. فطالما أنه في السلطة وتحت قيد الاتهام، فلا يمكن لإسرائيل تشكيل حكومة وحدة تضم حزبي «الليكود»/«أزرق أبيض» التي من المرجح أن تتبنى خطة ترامب. وحتى لو حقق حزب «أزرق أبيض» فوزاً مطلقاً في أيلول، سيرفض قادته على الأرجح خطة كبرى يعارضها الفلسطينيون معارضة شديدة.

وهذا يترك إدارة ترامب أمام خيارين. الأول، يمكن أن يصرّح الرئيس الأميركي بأنه يجب تأجيل عناصر الخطة السياسية، معلقاً الآمال على قدرته على الفوز بولاية ثانية واستئناف الموضوع في المستقبل. وكبديل، ونظراً لكل ما تم إنجازه لوضع الخطة المؤلفة من 50 صفحة وفقاً لبعض التقارير، فقد يقرر ترامب الكشف عن اقتراحه في وقت لاحق من هذا العام كرؤية طموحة وليست وثيقة عملياتية تنص على إجراء مفاوضات فورية. وسيتماشى ذلك مع الفكرة بأن الإدارة الأميركية تعتبر الخطة أداة مرجعية تاريخية للإدارات القادمة يمكنها التصرف على أساسها عندما تكون الظروف بين الإسرائيليين والفلسطينيين أكثر ملاءمة.

ما الذي سيتم التباحث حوله في البحرين؟

من المرجح أن يعرض المسؤولون الأميركيون أفكارهم الاقتصادية في البحرين كمقدمة لخطة السلام الشاملة لإدارتهم وليس بديلاً لها. ومن شأن هذه المقاربة أن تدحض ادعاء «السلطة الفلسطينية» بأن واشنطن عازمة على إحلال «سلام اقتصادي» فقط.

وفي الوقت نفسه، قد يُثبت التركيز بشكل حصري على رؤية اقتصادية طويلة الأمد بأنه غير مجدٍ، لأنه من المستبعد أن يحصد الاقتصاد تمويلاً كبيراً دون تسوية سياسية.

لذلك، على وفد الإدارة الأميركية إلى البحرين أن يكون مستعداً لمناقشة عدد لا يحصى من المبادرات التي تعالج المزيد من التحديات العاجلة. فالأوضاع الأمنية الهشة في قطاع غزة والمشاكل الاقتصادية المتفاقمة في الضفة الغربية تشكّل محفزاً للعمل على بذل جهود قصيرة الأجل ترمي إلى استقرار الوضع على الأرض.

ويتمثّل أحد الأهداف التي يمكن تحقيقها في قيام الولايات المتحدة ودول أخرى «مثل قطر» بإيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه من القرار الضار لـ «السلطة الفلسطينية» بحرمان نفسها من أكثر من 60 بالمائة من ميزانيتها - أي حوالى 200 مليون دولار شهرياً - بسبب خلاف على الخصومات الإسرائيلية من عائدات الضرائب المحولة لـ «السلطة». كما بإمكان واشنطن التعاون مع الأمم المتحدة ومصر وغزة لزيادة الإنفاق على البنية التحتية في القطاع؛ على سبيل المثال، من شأن تحديث شبكات الكهرباء أن يساعد سكان غزة الفقراء إلى حد كبير، في حين قد تؤدي التحسينات الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي محلياً إلى منع حدوث تسرب في المناطق الإسرائيلية المجاورة. وأخيراً، وقبل التوجه إلى البحرين، على مسؤولي الإدارة الأميركية التواصل مع «اللجنة القضائية في مجلس النواب» الأميركي التي أقرت إجراءً يقضي بوقف التمويل البالغ 61 مليون دولار اللازم لنجاح التعاون الأمني الإسرائيلي - الفلسطيني بوساطة أميركية في الضفة الغربية - وهو قرار ينطوي على مشاكل نظراً لمخاطر اندلاع أعمال عنف شديدة في الوقت الحالي.