ها هو رمضان يلملم أوراقه مؤذناً بالرحيل، وهي مناسبة لمراجعة سلوكنا فيه، وهل فهمناه كما يجب؟ سؤال لا تحتاج الإجابة عنه إلى عناء، حتى نكتشف البون الشاسع بين المعاني التي أرادها الباري عزوجل من شعيرة الصوم وبين سلوك الغالبية الساحقة في رمضان، والذي يتناقض كلياً مع مقاصد الشارع من هذه الشعيرة الدينية التي فرضها على عباده تزكية للنفس وترويضاً للشهوات وصقلاً للأحاسيس، فحولناه نحن إلى شهر للشهوات وغلظة في الأحاسيس، فكيف ولماذا صار رمضان بالنسبة للكثيرين على غير ما قصد الشرع الحنيف؟

واحدة من الإجابات عن هذا السؤال تكمن في حجم تأثير الاستلاب الثقافي الذي نعيشه بفعل الغزو الثقافي الذي يستهدفنا منذ ما يزيد على قرن، والذي شوه الكثير من قيمنا وسلوكياتنا، وفي هذا المجال يصلح حجم التشوه الذي أصاب سلوكنا في رمضان نموذجاً لدراسة تأثير الغزو الثقافي علينا، فبفعل الاستلاب الثقافي فات الكثيرون أن رمضان شعيرة دينية ثابتة في أحكامها ومقاصدها ومواقيتها الشرعية ومظاهرها، ومن ثم في أخلاق وسلوكيات الصائمين، وقد بينت ذلك كله الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ما لا يجوز معه التعامل مع رمضان وسلوكياته كطقس اجتماعي يمكن تكييفه وفق أهوائنا وشهواتنا، كما صار يفعل البعض في السنوات الأخيرة. والذين أدخلوا طقوسا من ثقافات أخرى على سلوكنا الرمضاني فشوهوها، من ذلك أن رمضان شهر سهر، لكن الذين سعوا إلى تكييف رمضان وفق أهوائهم وشهواتهم لا يصومون رمضان لكنهم يسهرون لياليه، سهراً يختلف عما مارسه رسولنا الكريم، وما كان يفعل صحابته وتابعوهم، قبل أن يتصدر مقود الأمة تلاميذ الغزو الثقافي وأحلاس التمويل الأجنبي الذين حولوا ليالي رمضان إلى ليالي ترف يصل أحياناً حد المجون في صالات الفنادق أو فيما يسمى زوراً وبهتاناً خيم رمضان، التي تُفقد ليالي رمضان سكينتها وهدوءها.

ومثل ليالي رمضان كذلك فقدت نهاراته معانيها، ففي تاريخنا كان رمضان شهر الانتصارات العظيمة، لكنه في حاضرنا صار شهر الكسل وقلة الإنتاجية على المستوى الجمعي، وشهر التوتر والمشاجرات على المستوى الفردي، وهذا مايفسر لنا ارتفاع عدد المشاجرات وحوادث السير وصولاً إلى القتل، الذي هو في الأصل شهر السكينة والمودة والتراحم، فأين نحن من ذلك كله بعد أن حولنا رمضان إلى طقس اجتماعي صفته التكاذب الذي يمارسه الناس وتبرع به بعض الشخصيات العامة التي فقدت وزنها الأدبي، عندما قبلت بفعل التكاذب أن تكون أداة لترويج بعض الشركات ولتبييض أموال التمويل الأجنبي، وهو نفس التكاذب الذي يجعل شخصيات عامة بينها ما صنع الحداد، تقول ببعضها ما لم يقله مالك في الخمر، ومع ذلك لا تخجل أن تأخذ بعضها بالأحضان أمام كاميرات التكاذب في سهرات رمضان التي حولها الاستلاب الثقافي من شعيرة دينية إلى طقس اجتماعي مليء بالتكاذب.

Bilal.tall@yahoo.com